الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما القسم الثاني : وهو أن يكون الآمر بالقتل متغلبا فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون متغلبا بتأويل كمن ندب نفسه لإمامة أهل البغي ، إذا أمر بقتل رجل ظلما فلا يخلو حال المأمور من أحد أمرين :

                                                                                                                                            إما أن يكون ممن يرى رأيه ، ويعتقد طاعته ، أو يكون مخالفا له ، فإن كان موافقا لرأيه معتقدا الطاعة فحكم المأمور معه كحكمه مع إمام أهل العدل إن لم يكن من الآمر إكراه وجب القود على المأمور دون الآمر ، وإن كان منه إكراه وجب القود على الآمر وفي وجوبه على المأمور قولان .

                                                                                                                                            وإن كان ممن يخالفه في رأيه ، ولا يعتقد طاعته ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يغلب فيه حال المأمور لما يعتقده من مخالفة الآمر ، ويجري عليه حكمه مع الآمر إذا كان متغلبا باللصوصية على ما سنذكره .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن يغلب فيه حال الآمر ، ويجري عليه حكمه مع الآمر إذا كان إماما لأهل العدل لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه لما كان الباغي مع إمام أهل العدل في حكم أهل العدل ، وجب أن يكون أهل العدل مع إمام أهل البغي في حكم أهل البغي .

                                                                                                                                            والثاني : أن الشافعي أمضى أحكام قضائهم على أهل العدل وأهل البغي ، وجواز أخذ الزكاة وجباية الخراج منهما فاستويا في الحكم ، وإن اختلفا في المعتقد .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يكون متغلبا باللصوصية إذا أمر بقتل رجل .

                                                                                                                                            [ ص: 77 ] فالفرق بين أمره وأمر الإمام من ثلاثة أوجه متفق عليها ، ورابع مختلف فيه .

                                                                                                                                            فأما الثلاثة المتفق عليها .

                                                                                                                                            فأحدها : أن طاعة الإمام واجبة إلا فيما يعلم أنه ظلم ، وطاعة هذا المتغلب غير واجبة إلا فيما يعلم أنه حق .

                                                                                                                                            والثاني : أن الظاهر من أمر الإمام بالقتل أنه يحق إلا أن يعلم أنه ظلم ، والظاهر من أمر المتغلب بالقتل أنه يظلم إلا أن يعلم أنه حق .

                                                                                                                                            والثالث : أن اجتهاد الإمام فيمن يستبيح قتله من مسلم بكافر ، وحر بعبد نافذ ، واجتهاد هذا المتغلب فيه غير نافذ .

                                                                                                                                            فإذا افترقا من هذه الأوجه الثلاثة اعتبر كل واحد منهما في الآمر إن كان إماما أو متغلبا فأجرى عليه حكمه على اختلاف أحكامهما في الجهتين .

                                                                                                                                            وأما الرابع المختلف فيه فهو الإكراه ، وقد اختلف في حكم الإكراه هل يستويان فيه أو يختلفان على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنهما يستويان في الإكراه ، وإن اختلفا في الآمر من غير إكراه ، فعلى هذا إذا أمر المتغلب رجلا بالقتل من غير إكراه وجب على المأمور القود ، سواء علم بظلمه أو لم يعلم ، لأن الظاهر من أمره بالقتل أنه بغير حق ، ولا قود على الآمر لأنه غير مطاع في الظاهر ، ما لم يعلم أنه حق ، فصار المأمور هو المنفرد بالقتل ، والآمر مشير به ، وإن أكرهه الآمر المتغلب على القتل وجب على الآمر القود ، وفي وجوبه على المأمور قولان ، لاستواء الإمام والمتغلب في الإكراه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنهما مختلفان في حكم الإكراه كما اختلفا في حكم الاختيار لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن في طاعة الإمام شبهة ليست في طاعة المتغلب .

                                                                                                                                            والثاني : أن أمر الإمام عام في جميع البلاد ، لا يقدر على الخلاص منه ، وأمر المتغلب خاص في بعضها يقدر على الخلاص منه إذا انتقل إلى غيرها .

                                                                                                                                            فعلى هذا إذا أكره المتغلب رجلا على القتل وجب القود على الآمر والمأمور جميعا ، وإن كان في مكره الإمام قولان : لما ذكر من الفرقين ، وإن كانا ضعيفين .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية