الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب

فصل : فأما أكل الأجنة ، وهو أن تذبح البهيمة ، فيوجد في بطنها جنين ، فإن كان حيا مقدورا على ذكاته لم يحل أكله إلا بالذكاة ، وإن كان ميتا أو حيا قصرت مدة حياته عن ذكاته ، حل أكله بذكاة أمه ، وهو إجماع الصحابة ، وقاله مالك والأوزاعي والثوري ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وأحمد ، وإسحاق ، وتفرد أبو حنيفة فحرم أكله احتجاجا بقول الله تعالى : حرمت عليكم الميتة [ المائدة : 3 ] . وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : أحلت لنا ميتتان ودمان : الميتتان : الحوت والجراد ، والدمان : الكبد والطحال ، وهذه ميتة ثالثة : يوجب الخبر أن تكون محرمة ، ولأنه من جنس ما يذكى ، فوجب أن لا يحل إلا بالذكاة كالأم ، ولأنه ذبح واحد ، فلم يجز أن تكون ذكاة الاثنين كما لو خرج الجنين حيا ، ولأن ما كان موته ذكاة في غير المقدور عليه كان موته ذكاة في المقدور عليه ، وما لم يكن موته ذكاة في المقدور عليه لم يكن ذكاة في غير المقدور عليه كالصيد والنعم ، فلما لم يكن موت المقدور عليه من الأجنة ذكاة لم يكن موت غير المقدور عليه ذكاة ، [ ص: 149 ] ولأن العقر من جميع المذكى معتبر ، وإنما يختلف في المقدور عليه وغيره باختلاف المحل ، ولا يختلف باعتباره في بعضه وإسقاطه في بعضه ، وقد اعتبرتم العقر في المقدور عليه وأسقطتموه في غير المقدور عليه ، وهذا مخالف للأصول .

ودليلنا قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام [ المائدة ] . قال ابن عباس ، وابن عمر : بهيمة الأنعام هي أجنتها إذا وجدت ميتة في بطون أمهاتها يحل أكلها بذكاة الأمهات ، وهذا من أول أحكام هذه السورة التي هي من أكثر الأحكام المشروعة ، والغالب من تأويلهم هذا أنهم لم يقولوه إلا نقلا .

ومن السنة ما رواه عاصم بن ضمرة عن علي - عليه السلام - ورواه عكرمة عن ابن عباس ، ورواه نافع عن ابن عمر ، ورواية أبي الزبير عن جابر ، ورواية ابن سيرين عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ذكاة الجنين ذكاة أمه .

فجعل إحدى الذكاتين نائبة عنهما ، أو قائمة مقامهما ، كما يقال : مال زيد مالي ، ومالي مال زيد . يريد أن أحد المالين ينوب عن الآخر ، ويقوم مقامه .

فإن قيل : إنما أراد به التشبيه دون النيابة ، ويكون معناه : ذكاة الجنين كذكاة أمه ، لأنه قدم الجنين على الأم ، فصار تشبيها بالأم ، ولو أراد النيابة لقدم الأم على الجنين فقال : ذكاة الأم ذكاة جنينها - ففيه ثلاثة أجوبة :

أحدها : أن اسم الجنين منطلق عليه ، إذا كان مستجنا في بطن أمه ، فيزول عنه الاسم إذا انفصل عنها ، فيسمى ولدا . قال الله تعالى : وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم [ النجم : 32 ] . وهو في بطن أمه لا يقدر على ذكاته ، فبطل أن يحمل على التشبيه ، ووجب حمله على النيابة .

والثاني : أنه لو أراد التشبيه دون النيابة ، لساوى الأم غيرها ، ولم يكن لتخصيص الأم فائدة ، فوجب أن يحمل على النيابة دون التشبيه ، ليصير لتخصيص الأم تأثير .

والثالث : لو أراد التشبيه لنصب " ذكاة أمه " لحذف كاف التشبيه ، والرواية مرفوعة : ذكاة أمه فثبت أنه أراد النيابة دون التشبيه .

فإن قيل : فقد روي بالنصب : ذكاة الجنين ذكاة أمه .

قيل : هذه الرواية غير صحيحة ، ولو سلمت لكانت محمولة على نصبها بحذف " يا " النيابة دون كاف التشبيه لما قدمناه ، ولأن إثبات الذكاة لم يجز أن يحمل على نفيها ، لأنهما ضدان ، ولا نفعل النفي من الإثبات كما لا نفعل الإثبات من النفي ، ويكون معناه : ذكاة الجنين بذكاة أمه ، ولو احتمل الأمرين لكانتا مستعملتين ، فتستعمل الرواية المرفوعة على النيابة إذا خرج ميتا ، وتستعمل الرواية المنصوبة على التشبيه إذا خرج حيا ، فيكون أولى ممن استعمل إحداهما ، وأسقط الأخرى .

[ ص: 150 ] ويدل عليه أيضا نص لا يحتمل هذا التأويل ، وهو ما رواه يحيى بن سعيد القطان ، عن مجالد ، عن أبي الوداني ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قلت : يا رسول الله ! ننحر الناقة ، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها جنين ميت ، أنلقيه أم نأكله ؟ فقال : كلوه إن شئتم ، فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه : ولأنه إجماع الصحابة . روي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - ، وقال عبد الرحمن بن كعب بن مالك : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " ، وما انعقد به إجماعهم لم يجز فيه خلافهم .

ومن الاعتبار هو أن الجنين يغتذي بغذاء أمه ، فلما كانت حياته بحياتها جاز أن تكون ذكاته بذكاتها كالأعضاء .

فإن قيل : فأعضاؤها لا تعتبر ذكاتها بعدها ، وأنتم تعتبرون ذكاة الجنين إذا خرج حيا ، فدل على افتراقهما .

قيل : لا فرق بينهما ، لأننا جعلنا ذكاته بذكاتها ، إذا خرجت روحه ، بخروج روحها ، وإذا خرج حيا لم تخرج روحه بخروج روحها ، فلم تحل بذكاتها . كذلك الأعضاء إذا خرجت منها الروح بخروج روحها حلت ، ولو خرجت الروح منها بغير خروج الروح من أصلها لقطعها قبل ذبحها لم تؤكل ، فاستويا ، وقد يتحرر من هذا الجواب المعلل قياس ثان ، فيقال : حيوان خرجت روحه بذكاة ، فجاز أن يكون مأكولا ، كالأم ، ولا يدخل الجنين المتولد من حمار وحشي ، وحمار أهلي لا يحل أكله بذكاة أمه ، لأننا أجمعنا بينه وبين الأم ، والأم تؤكل إذا لم يتولد من بين جنسين كذلك الجنين .

فإن قيل : إنما مات باختناقه في بطن أمه ، واحتباس نفسه ، لا بالذكاة فدخل في تحريم المنخنقة .

قيل : لا يجوز أن يعلق على الأسباب المباحة أحكام المحظورات ، كما لا يجوز أن يعلق على الأسباب المحظورة أحكام المباحات وموت الجنين بذبح أمه مباح ، يتعلق به إحلال الأم ، فتبعها في الحكم ، والمنخنقة ضدها : لتحريم جميعها ، فتعلق به تحريم أكلها .

ويدل على ما ذكرناه أن الذكاة معتبرة بالقدرة بعد الأسباب المباحة ، وهي تنقسم ثلاثة أقسام .

فقسم يمكن ذبحه ، وهو المقدور عليه من الصيد والنعم ، فلا ذكاة له إلا في حلقه ولبته .

[ ص: 151 ] وقسم ممتنع لا يمكن ذبحه ، ويمكن عقره ، وهو الصيد ، فذكاته بعقره من أي موضع وقع من جسده ، لتعذر ذبحه .

وقسم يتعذر ذبحه وعقره وهو الحوت والجراد : لأن موت الحوت بعد موته سريع وعقر الجراد شاق ، فكان موتهما ذكاة .

وإن كان هذا أصلا متفقا عليه وجب أن يعتبر في الجنين ، فإن لم يقدر على ذبحه لسرعة موته ، كان موته ذكاة له ، فالحوت والجراد ، وإن كان مقدورا على ذبحه ، لبقاء حياته كانت ذكاته في الحلق واللبة ، كالمقدور عليه من الصيد والنعم ، فيصير الخلاف فيه مردودا إلى الأصل المتفق عليه ، ولأنه لما سرى حكم الأم إلى جنينها في البيع والهبة والعتق سرى إليه في الذكاة والإباحة .

ألا ترى أن الجناية على الأم إذا ألقته ميتا ، كالجناية عليه في وجوب الضمان ؟ فصار في جميع أحواله ملحقا بأمه ، فكانت الذكاة منها ، ولم يجز أن يقتطع عنها .

فإن قيل : لو لحق بها في الذكاة إذا خرج ميتا لم يحتج إلى الذكاة إذا خرج حيا فعنه جوابان :

أحدهما : إنما حل إذا خرج ميتا لفراق روحه بذكاتها ، ولم يحل إذا خرج حيا ، لأن روحه لم تفت بذكاتها .

والثاني : أنه لا يجوز أن يعتبر خروجه حيا في الذكاة بخروجه ميتا كما لا يعتبر في الجناية : لأنه إذا خرج ميتا كانت ديته معتبرة بأمه ، وإذا خرج حيا كانت ديته معتبرة بنفسه ، كذلك في الذكاة .

فأما الجواب عن الآية والخبر فمن وجهين :

أحدهما : أن الخبر خارج عن الميتة : لأن موته بذكاة أمه ، ولو مات بغير ذكاتها فألقته ميتا حرم : لأنه ميتة .

والثاني : أن عموم الآية مخصوص في الجنين بالخبر ، كما خصت في الحوت والجراد ، وملحق بالحوت والجراد : لما ذكرنا من اشتراكهما في المعنى .

وأما الجواب عن قياسه على الأم ، فهو أن ذكاتها مقدور عليها ، فلم تحل إلا بها ، وذكاة الجنين غير مقدور عليها ، فحل ولو قدر على ذكاته لم يحل إلا بها كالأم ، وهو الجواب عن قياسهم عليه ، إذا خرج ميتا : لأنه يقدر على ذكاته حيا ، فاعتبرت : ولأنه يقدر على ذكاته ميتا فسقطت .

[ ص: 152 ] وأما الجواب عن استدلالهم بالتسوية بين حالتي موته وحياته ، فهو أن التسوية بين حالتي القدرة ، والعجز في الذكاة مطرحة ، والفرق بينهما أحق ، كالصيد لما اختلفت ذكاته ، في القدرة والعجز اختلف بها حكم الجنس ، وأما الجواب بأن العقر في جميع الحيوان معتبر في اختلاف المحل ، فمن وجهين :

أحدهما : أن العقر فيه معتبر ، وهو ذبح الأم .

والثاني : أنه لما اعتبرت الذكاة بالقدرة عليها وجب أن يعتبر العقر بالقدرة عليه ، وهي متعذرة في الجنين ، فسقطت بالعجز كما سقطت في الصيد : لإمكانه فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث