الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الضمان الشامل للكفالة

جزء التالي صفحة
السابق

باب الضمان الشامل للكفالة هو لغة : الالتزام ، وشرعا : يطلق على التزام الدين والبدن والعين الآتي كل منها وعلى العقد المحصل لذلك ، ويسمى ملتزم ذلك أيضا ضامنا وضمينا وحميلا وزعيما وكفيلا وصبيرا .

قال الماوردي : غير أن العرف خصص الأولين بالمال والحميل بالدية والزعيم بالمال العظيم والكفيل بالنفس والصبير يعم الكل ، ومثله القبيل .

وأصله قبل الإجماع الخبر الصحيح { الزعيم غارم } { وأنه صلى الله عليه وسلم تحمل عن رجل عشرة دنانير } ، وخبر الصحيحين { أنه صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ، فقال : هل ترك شيئا ؟ قالوا لا ، قال : هل عليه دين ؟ قالوا : ثلاثة دنانير ، قال : صلوا على صاحبكم ; قال أبو قتادة : صل عليه يا رسول الله وعلي دينه ، فصلى عليه } لا يقال : لا دلالة فيه إلا على براءة الميت بالالتزام عنه لا على الضمان وإلا لكان المانع من الصلاة باقيا وهو اشتغال ذمته .

لأنا نمنع هذه الدعوى ; إذ الضمان عنه لا يزيد على ما لو خلف تركة ، وذلك لا يوجب براءة ذمته قبل القضاء [ ص: 433 ] على أن الماوردي وغيره صرحوا بأن نفس المؤمن إنما تكون مرتهنة بدينه إذا لم يخلف وفاء وامتناعه من الصلاة عليه ; لأنها شفاعة وشفاعته مقبولة ، ونفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه .

قال جابر : وكان ذلك في ابتداء الإسلام وفي المال قلة .

فلما فتح الله الفتوح قال صلى الله عليه وسلم { أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، من خلف مالا فلورثته ، ومن خلف دينا أو كلا فكله إلي ودينه علي ، فقيل : يا رسول الله وعلى كل إمام بعدك ؟ قال : وعلى كل إمام بعدي } رواه الطبراني ومقتضاه وجوب قضاء دين الميت المعسر على كل إمام لكن الصحيح عند أئمتنا أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم كعداته بدليل قضائها بعد وفاته فيحمل الخبر بتقدير صحته على تأكد ندب ذلك في حق غيره ، ويؤخذ من خبر التحمل مع قولهم : إنه معروف الآتي أنه سنة وهو كذلك في حق قادر عليه أمن من غائلته .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 432 ] باب الضمان )

( قوله : الشامل ) عبارة المحلي : ويذكر معه الكفالة ، وما سلكه الشارح مخالف له حيث جعل الكفالة قسما من الضمان هنا ، وصرح به بعد في قوله وشرعا يطلق على التزام إلخ ، وكأن المحلي جرى على كلام الماوردي القائل بتخصيص الضمان بالمال والكفالة بالبدن ( قوله : على التزام الدين ) ولو منفعة ( قوله : والبدن ) الواو بمعنى أو

( قوله : وعلى العقد المحصل ) أي فالضمان يطلق على كل من الضمان والأثر وهو الحاصل بالمصدر .

والفرق بين الحاصل بالمصدر ونفس المصدر أن الفعل لا بد من تعلقه بالفاعل والأثر المرتب عليه ، فهو مع ملاحظة التعلق الأول مصدر ومع ملاحظة التعلق الثاني اسم للمصدر ، ويسمى الحاصل بالمصدر

( قوله : خصص الأولين ) عبارة حج : خصص الضمين بالمال ، قال : أي ومثله الضامن ففي نسبة الشارح الأولين للماوردي مسامحة ( قوله : بالمال ) أي عينا كان أو دينا ( قوله : بالمال العظيم ) : ظاهره وإن كان دية

( قوله : ومثله ) من كلام م ر ( قوله { الزعيم غارم } ) قال ع : لفظة العارية مؤداة : أي مردودة والزعيم غارم والدين مقضي : أي موفى ا هـ سم على منهج ( قوله : لأنا نمنع هذه الدعوى ) لا يفيد في رد كلام السائل فإن حاصله أن الحكمة في امتناعه عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه شغل ذمته ببقاء الحق ، فلو لم يحمل تحمل أبي قتادة عنه على البراءة لم تظهر الحكمة في امتناعه من الصلاة عليه لأن الحق باق في ذمته كما قبل التحمل

( قوله : إذ الضمان عنه إلخ ) سيأتي للشارح في بقية حديث أبي قتادة ما نصه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي قتادة : هما عليك وفي مالك ، والميت منهما بريء ، فقال نعم ، فصلى عليه صلى الله عليه وسلم } ففيه تصريح ببراءة ذمة الميت ، وعليه فلا يندفع الإشكال بما أجاب به الشارح لكن سيأتي له الاعتذار بأن مراده بقوله بريء : أي في المستقبل

( قوله : وذلك لا يوجب براءة ذمته قبل القضاء ) [ ص: 433 ] أي سواء خلف وفاء أم لا على ما اعتمده في غير هذا الموضع ، وصرح به أيضا حج في أول الرهن لا يقال : ما الحكمة في حبس روحه إذا لم يخلف وفاء مع أنه في حكم المعسر والمعسر لا يحبس في الدنيا ولا يلازم لأنا نقول : أمر الآخرة يغاير أمر الدنيا ، فإن حبس المعسر في الدنيا لا فائدة فيه ; لأنه لا يتوقع منه وفاء ما دام محبوسا ، ويظن منه الوفاء إذا لم يحبس ; لأنه قد يكتسب ما يستعين به على وفاء الدين .

وأما الآخرة فالحبس فيها مجازاة له على بقاء الحق في ذمته حفظا لحق صاحب الدين ويستوفى منه بأخذ الحسنات ورد السيئات فأشبه من له مال في الدنيا فينتظر بحبسه حضور ماله ، وعليه فهو معقول المعنى

( قوله : أو كلا ) أي عيالا ( قوله : كعداته ) أي فإنه كان إذا وعد بشيء وجب عليه الوفاء به صلى الله عليه وسلم ( قوله : بدليل قضائها ) أي العدات

( قوله : في حق قادر عليه إلخ ) مفهومه أنه إذا فقد أحد الشرطين لا يسن ، وهل هو مباح حينئذ أو مكروه ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول

( قوله : من غائلته ) ومنها : أن لا يكون مال المضمون عنه إذا ضمن بإذنه فيه شبهة سلم منها مال الضامن



حاشية المغربي

. [ ص: 432 ] ( باب الضمان ) ( قوله : على التزام الدين إلخ ) أي الذي هو أحد شقي العقد : أي الإيجاب ، وسيأتي أنه يطلق على مجموع الإيجاب والقبول ، وهذا نظير ما مر أول البيع أنه يطلق على ما يقابل الشراء وعلى العقد المشتمل عليهما ، وهذا [ ص: 433 ] أولى مما في حاشية الشيخ مع ما فيه كما يعلم بمراجعته . ( قوله : حتى يقضى عنه ) أي أو يضمن عنه : أي والصورة أنه لم يخلف وفاء على ما مر ( قوله : على تأكد ندب ذلك في حق غيره ) لعله من مال نفسه وإلا فالظاهر أنه لا يجوز له ذلك من مال بيت المال فليراجع . ( قوله : أمن من غائلته ) الظاهر أن الضمير فيه للضمان : أي : بأن يجد مرجعا إذا [ ص: 434 ] غرم نظير ما مر في الخبر أول الحوالة فليراجع



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث