الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رحمه الله : ولو قتل أحد الوليين القاتل بغير أمر صاحبه ففيها قولان : أحدهما : أن لا قصاص بحال للشبهة ، قال الله تعالى : فقد جعلنا لوليه سلطانا يحتمل أي ولي قتل كان أحق بالقتل وهو مذهب أكثر أهل المدينة ينزلونه منزلة الحد لهم عن أبيهم إن عفوا إلا واحدا كان له أن يحده . ( قال الشافعي ) رحمه الله : وإن كان ممن لا يجهل عزر وقيل للولاة معه لكم حصصكم والقول من أين يأخذونها واحد من قولين : أحدهما : أنها لهم من مال القاتل يرجع بها ورثة القاتل في مال قائله ومن قال هذا فإن عفوا عن القاتل الدية رجع ورثة قاتل المقتول على قاتل صاحبهم بحصة الورثة معه من الدية . والقول الثاني في حصصهم أنها لهم في مال أخيهم القاتل قاتل أبيهم لأن الدية إنما كانت تلزمه لو كان لم يقتله ولي فإذا قتله ولي فلا يجتمع عليه [ ص: 133 ] القتل والغرم . والقول الثاني أن على من قتل من الأولياء قاتل أبيه القصاص حتى يجتمعوا على القتل ( قال المزني ) رحمه الله : وأصل قوله إن القاتل لو مات كانت الدية في ماله ( قال المزني ) - رحمه الله - وليس تعدي أخيه بمبطل حقه ولا بمزيله عمن هو عليه ولا قود للشبهة .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن القود لا يستحقه الأولياء إلا باجتماعهم عليه ، وأن ليس لأحدهم أن ينفرد به ، فإن بادر أحد الوليين فقتل القاتل انقسمت حاله فيه ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون عن إذن أخيه وشريكه فيه ، فلا يكون بقتله متعديا ، وقد استوفى القود في حقهما .

والقسم الثاني : أن يكون بعد عفو أخيه وعلمه بعفوه فهو متعد بهذا القتل ، والصحيح أن عليه القود لسقوطه في حقهما بعفو أحدهما .

والقسم الثالث : أن لا يكون من أخيه إذن ولا عفو ، فهذا على ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يحكم له الحاكم بالقود ، فالصحيح أن لا قود عليه لنفوذ حكمه بمختلف فيه .

والقسم الثاني : أن يحكم عليه الحاكم بالمنع من القود ، فالصحيح أن عليه القود لنفوذ حكمه برفع الشبهة فيه .

والقسم الثالث : أن لا يكون من الحاكم فيه حكم بتمكين ولا منع ، ففي وجوب القود عليه قولان منصوصان :

أحدهما : لا يجب عليه القود ، وهو مذهب أبي حنيفة لأمرين :

أحدهما : أنه شريك في استحقاق النفس التي قتلها ، فوجب أن تكون الشركة شبهة في سقوط القود عنه كالأمة بين شريكين ، إذا وطئها أحدهما سقط الحد عنه لشبهة الشركة .

والثاني : أنه لما قتل نفسا استحق بعضها لم يجز أن يقاد من نفسه التي لم يستحق بعضها ، لعدم التكافؤ كما لا يقاد الحر بمن نصفه عبد ونصفه حر .

والقول الثاني : يجب عليه القود ، وإن كان شريكا لأمرين :

أحدهما : أن القود يجب في قتل بعض النفس كما يجب في قتل جميعها ، لأن الشريكين في القتل يقاد كل واحد منهما ، وهو متلف لبعض النفس ، كما يقاد به إذا [ ص: 134 ] انفرد بقتله ، كذلك هذا الشريك قد صار قاتلا لبعض النفس بعد استحقاق بعضها فوجب عليه القود .

والثاني : أن استحقاقه لبعض النفس كاستحقاقه للقود من بعض الجسد ، ثم ثبت أنه لو استحق القود من بعض الجسد فقتله وجب عليه القود ، كذلك إذا استحق بعض نفسه فقتله وجب عليه القود ، وقد خرج من هذين القولين قول فيما ذكرنا صحة حكمه من الأقسام المتقدمة إيجابا وإسقاطا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث