الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ما يقطع من الحيوان عند الذبح

مسألة : قال الشافعي : " قال : والذكاة في الحلق واللبة ، وهي ما لا حياة بعده إذا قطع وكمالها بأربع : الحلقوم والمريء والودجين ، وأقل ما يجزئ من الذكاة أن يبين الحلقوم والمريء ، وإنما أريد بفري الأوداج لأنها لا تفرى إلا بعد قطع الحلقوم والمريء والودجان عرقان قد ينسلان من الإنسان والبهيمة ثم يحيا " .

قال الماوردي : أما الذكاة في اللغة فقد ذكرنا أن فيها ثلاثة أوجه :

أحدها : أنها التطييب من قولهم : رائحة ذكية ، أي طيبة ، فسمى بها ذبح الحيوان : لما فيه من تطييب أكله .

والوجه الثاني : أنها القطع ، فسمي بها ذبح الحيوان لقطعه .

والوجه الثالث : أنها القتل فسمي بها ذبح الحيوان لقتله ، والذكاة حالتان : كمال ، وإجزاء .

فأما حال الكمال ، فيكون بقطع أربعة : الحلقوم والمريء والودجين ، فأما الحلقوم فهو مجرى النفس في مقدم الرقبة ، وأما المريء فهو مجرى الطعام والشراب يلي الحلقوم ، وبهما توجد الحياة ، وبفقدهما تفقد الحياة ، وأما الودجان فهما عرقان في جنبي العنق من مقدمه ، ولا تفوت الحياة بفواتهما .

قال الشافعي : لأنهما قد ينسلان من الإنسان والبهيمة ثم يحييان ، والودجان اسم لهما في البهيمة ، ويسميان في الإنسان الوريدين ، ومنه قوله تعالى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ ق : 16 ] ولكن لما ذكره الشافعي في الإنسان والبهيمة سماه فيهما باسم واحد إفهاما للعامة ، فهذا حال الكمال في الذكاة بقطع هذه الأربعة .

وأما حال الجواز فقد اختلف الفقهاء فيه على أربعة مذاهب :

أحدها : وهو مذهب الشافعي أن إجزاء الذبح بقطع الحلقوم والمريء دون [ ص: 88 ] الودجين ، فإن قطع الحلقوم والمريء ، واستثنى الودجين حل الذبح ، وإن كان استبقاء الودجين بعد قطع الحلقوم متعذرا لا يتكلف : لأنهما يكتنفان الحلقوم والمريء من جانبهما ، فإن تكلف واستبقاهما جاز .

والمذهب الثاني : وهو قول مالك أنه لا يحل الذبح إلا بقطع الأربعة كلها ، فإن استبقى منها شيئا لم تحل .

والمذهب الثالث : وهو قول أبي حنيفة أنه لا تحل الذبيحة إلا بقطع أكثر الأربعة كلها ، إذا قطع من كل واحد منهما أكثره وترك أقله حل ، فإن ترك منها واحدا لم يقطع أكثره لم تحل .

والمذهب الرابع : وهو قول أبي يوسف لا تحل إلا بقطع أكثرها عددا ، وهو الحلقوم والمريء وأحد الودجين احتجاجا برواية أبي أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما فرى الأوداج فكلوا ما لم يكن قرض ناب أو حز طعن فجعل فري الأوداج شرطا في الإباحة : ولأن مخرج الدم من الأوداج ، فكان قطعها أخص بالذكاة ، ودليلنا ما رواه الشافعي ، عن سفيان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن عباية بن رفاعة ، عن رافع بن خديج ، قال : قلنا : يا رسول الله ! إنا لاقوا العدو غدا ، أفنذكي بالليطة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ، إلا ما كان من سن أو ظفر ، فإن السن عظم من الأسنان ، والظفر مدى الحبشة فاعتبرها بما أنهر الدم ، وقطع الحلقوم والمريء منهر للدم ، فتعلق به الإجزاء ، ولأن مقصود الذكاة فوات النفس بأخف ألم : لرواية شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله كتب على كل شيء الإحسان ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحتهوالأسهل في فوات الروح انقطاع النفس ، وهو بقطع الحلقوم أخص ، وبقطع المريء ، لأنه مسلك الجوف ، وليس بعد قطعهما حياة ، والودجان قد يسلان من الإنسان والبهيمة فيعيشان ، فكان اعتبار الذكاة بما لا تبقى معه حياة أولى من اعتبارها بما تبقى معه حياة .

[ ص: 89 ] وأما الجواب عن قوله : ما فرى الأوداج ، فكلوا فهو أنه غير مستعمل الظاهر : لأن فري الأوداج مع بقاء الحلقوم والمريء غير مبيح ، فصار ظاهره متروكا .

فإن قيل : عدم الاقتصار عليه لا يمنع من دخوله في عموم الشرط .

قيل : يدخل في عموم الكمال ، ولا يدخل في عموم الإجزاء .

فأما الجواب عن قولهم : إنه خص بمخرج الدم ، فهو أن المقصود بالذكاة خروج الروح ، وخروجها بانقطاع النفس من الحلقوم ، وخروج الدم تابع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث