الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              تنبيه : خوف المقربين خوف إجلال وإعظام .

                                                                                                                                                                                                                              قال الشيخ شهاب الدين السهروردي : لا يعتقد أن الغني حالة يفقر حاله نقص ، بل هو كمال أو تتمة كمال ، ثم مثل ذلك يحقن العين أي يسيل لدفع القذى عن العين مثلا ، فإنه يمنع العين من الرؤية .

                                                                                                                                                                                                                              فهذا من هذه الحيثية نقص ، وفي الحقيقة كمال ، هذا محصل كمال كلامه بعبارة طويلة .

                                                                                                                                                                                                                              قال : فهكذا بصيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- متعرضة للأغيرة من أنفاس الأغيار .

                                                                                                                                                                                                                              فدعت الحاجة إلى الستر على صدقة بصيرته صيانة لها ، ووقاية عن ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              السابعة والعشرون : وبوجوب كونه مطالبا برؤية مشاهدة الحق مع معاشرة الناس بالنفس والكلام .

                                                                                                                                                                                                                              ذكرها ابن القاص والبيهقي وابن سعد ، ولم يذكرها الشيخان قال الخضري : ولا أعلم دليلا صريحا على وجوب ذلك . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              الثامنة والعشرون : وبوجوب الأحكام الشرعية حين كان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي ، فلا تسقط عنه صلاة ولا غيرها . ذكرها ابن القاص وتبعه البيهقي والنووي . وحديث عائشة وصفوان بن يعلى عن أبيه وابن سعيد- رضي الله تعالى عنهم- في شأن الوحي في الصحيحين صريح في أنه -صلى الله عليه وسلم- كان ينتقل من حاله المعروف إلى حالة تستلزم الاستغراق والغيبة عن الحالة الدنيوية حتى ينتهي الوحي ، ويفارقه الملك . [ ص: 403 ]

                                                                                                                                                                                                                              وقال شيخ الإسلام البلقيني : وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت ، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي ، فلما كان البرزخ العام ، ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال ، خص الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- ببرزخ في الحياة ، يلقي الله تعالى فيه وحيه المشتمل على كثير من الأسرار . وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم ، أو غيره اطلاع على كثير من الأسرار ، وذلك مستمد من المقام النبوي ، ويشهد لذلك "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" .

                                                                                                                                                                                                                              التاسعة والعشرون : وبوجوب الركعتين عليه بعد العصر قاله رزين .

                                                                                                                                                                                                                              الثلاثون : وبأن جميع نوافله -صلى الله عليه وسلم- كانت فرضا ، لأن النفل إنما هو للجبر ، ولا نقص في صلاته حتى يجبر . قاله رزين .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : وهذا الذي قاله رزين ليس بشيء ، ولا يلزم من عدم وقوع نقص في صلواته الخمس أن يكون ما عداها من الصلوات فرضا ، بل ذلك نافلة ليس إلا .

                                                                                                                                                                                                                              ويدل لذلك ما رواه الإمام أحمد وابن جرير والطبراني عن أبي أمامة (-رضي الله عنه- ) في قوله- تبارك وتعالى- : ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء - 79] ، قال : كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم- نافلة ، ولكم فضيلة .

                                                                                                                                                                                                                              وفي لفظ : إنما كانت النافلة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطيالسي والطبراني بسند جيد عنه أنه قال : "إذا توضأ الرجل المسلم فأحسن الوضوء ، فإن قعد قعد مغفورا له ، وإن قام يصلي كانت له فضيلة ، قيل : له نافلة ؟ فقال : إنما النافلة للنبي -صلى الله عليه وسلم- كيف يكون نافلة وهو يسعى في الخطايا والذنوب ؟ ولكن فضيلة" .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن جرير وابن المنذر في تفسيريهما ، والبيهقي في "الدلائل" عن مجاهد (رضي الله عنه) في الآية قال : لم تكن النافلة لأحد إلا للنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة ، من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما عمل من عمل مع المكتوب ، فهو له نافلة سوى المكتوب ، من أجل أنه لا يعمل ذلك من كفارة الذنوب فهي نوافل له وزيادة ، والناس يعملون ما سوى المكتوب في كفارة ذنوبهم ، فليس للناس نوافل ، إنما هي للنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي حاتم عن قتادة نحوه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن المنذر وغيره عن الحسن قال : ليس لأحد نافلة إلى للنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة .

                                                                                                                                                                                                                              ولأن فرائضه كانت للزيادة وأما غيره ، فلا يخلو عن نقص ، فنوافله تكمل فرائضه . [ ص: 404 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن الضحاك نحوه فتبين بهذه الآثار أن صلوات النبي -صلى الله عليه وسلم- ليست كلها فرضا بل فيها الفرض والنفل .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية