الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              وأما تفضيل كل واحدة منهن على مجموع النساء سواهن فاللفظ ساكت عنه ، وقد ظهر من هذا أن نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- مفضلات على نساء هذه الأمة ، وكذا على نساء سائر الأمم : إن جعل اللفظ على عمومه إن لم يكن في النساء نبية لكن في هذا إشكال من ثلاثة أوجه . [ ص: 326 ]

                                                                                                                                                                                                                              الأول : أن فاطمة -رضي الله عنها- أفضل كما سنبينه . دل اللفظ بها أو نقول : إنها داخلة في نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنها ابنته وهي داخلة معهن في اسم النساء في الجملة ، والإضافة مختلفة فيها معنى النبوة وفيهن بمعنى الزوجية .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : أن الخطاب للنساء الموجودات حين نزول الآية ، فيلزم أنهن أفضل من خديجة ، ولا خلاف أن خديجة -رضي الله عنه- أفضل منهن بعد عائشة ، وجوابه : أن خديجة داخلة في جملة نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن لم تكن مخاطبة لكن دل الخطاب على أن التفضيل إنما حصل للمخاطبات لكونهن نساء النبي حاصل فيها فلا تخرج عن حكمه .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : أن يلزم تفضيل حفصة وأم سلمة وزينب وميمونة وسودة وجويرية ، وأم حبيبة على نساء سائر الأمم إذا جعلنا النساء للعموم ولا شك أن مريم أفضل من هؤلاء الثمان للحديث : "لم يكمل من النساء إلا أربع" فذكر مريم وخديجة وجوابه : إنا نلتزم التخصيص لذلك ، وعند هذا أقول : أن الآية تضمنت تعظيم قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمور منها : أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [الأحزاب 29] وكلهن محسنات فعلمنا أن الله أعد لهن أجرا عظيما عنده ، ويصغر في عين العظيم العظائم فمعظم الأجر المعد لهن لا يعلمه إلا الله .

                                                                                                                                                                                                                              ومنها أنهن يؤتين أجرهن مرتين ، ولهذا لم يحصل لغيرهن إلا للثلاثة المذكورات في القرآن والحديث .

                                                                                                                                                                                                                              ومنها إعداد الله -عز وجل- لهن رزقا كريما ، والشهداء أثني عليهم بأنهم عند ربهم يرزقون ، وهؤلاء زادهن مع الرزق كونه كريما .

                                                                                                                                                                                                                              ومنها المعاونة (بينهن وبين ) غيرهن وإرادته تعالى بإذهاب الرجس عنهن ، وتطهيرهن تطهيرا مؤكدا ، وما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة ، وليس في الآية إلا ذلك ، وشرفهن بانتسابهن إليه عليه الصلاة والسلام وأناقة قدرهن بذلك حتى تفارق صفاتهن صفات غيرهن ، وليس في الآية تصريح بما أراده الفقهاء ، وتكلفوا فيه من التفضيل حتى يتكلف النظر بينهن وبين مريم ، فنقول ما قاله الله تعالى بقوله ، ونسكت عما سكت عنه ، وزعم بعضهم أن أفضل الصحابة زوجاته عليه الصلاة والسلام ، لأنهن معه في درجته التي هي أعلى الدرجات ، وهذا قول ساقط مردود ، وأما فاطمة وخديجة ثم عائشة ، رضي الله عنهن فقال البلقيني في "فتاويه" :

                                                                                                                                                                                                                              الذي نختاره أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة ، للحديث الصحيح ، وأنه قال لفاطمة : "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء المؤمنين"

                                                                                                                                                                                                                              وفي النسائي مرفوعا : "أفضل [ ص: 327 ] نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد" سنده صحيح ، فالحديث صريح في أنها وأمها أفضل نساء أهل الجنة ، والحديث الأول يقتضي فضل فاطمة على أمها ، وفي حديث آخر "فاطمة بضعة مني" وهو يقتضي تفضيل فاطمة على جميع نساء العالم ومنهن خديجة وعائشة -رضي الله عنها- وبقية بنات النبي -صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              وروي عن الشعبي عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : حدثتني فاطمة ، قالت : أسر إلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة ، وإنه عارضني العام مرتين ، ولا أراه إلا قد حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي ، ونعم السلف أنا لك ، قالت : فبكيت ، فقال : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة ونساء المؤمنين ؟ فضحكت" .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البزار عن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال عن فاطمة : "هي خير بناتي إنها أصيبت في" .

                                                                                                                                                                                                                              وأما تفضيل خديجة على عائشة فقد جاء فيه أحاديث بسطتها في "الفيض الجاري" .

                                                                                                                                                                                                                              وأما بقية بنات النبي -صلى الله عليه وسلم- مع بقية نسائه فبقية بناته أفضل ، ويشهد لذلك ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : في الحديث الصحيح عن سعيد بن المسيب قال : أم عثمان من رقية ، وأم حفصة من زوجها . انتهى وفي الصحيح : خير نسائها مريم ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد والضمير قيل : إنه للسماء والأرض ويؤيده ما ورد من الإشارة إليهما ويحتمل أن الضمير لمريم ، وخديجة على أنهما سيدتان وإضافة النساء إليهما كإضافتهن في قوله : أو نسائهن . ويعود شرحه إلى معنى نساء زمانها وفي الصحيح : "ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة" وفي غير الصحيح : "ما أبدلني الله خيرا منها ، وهي أول من آمن بي ، وظهر عنها من النور والخير ما لا خفاء فيه" ، وفي الحديث : "إني رزقت حبها" وبقيت المفاضلة بينها وبين مريم بنت عمران ، فإن قلنا بنبوة مريم كانت أفضل من فاطمة وإن قلنا : ليس بنبية احتمل أنها أفضل ، للاختلاف في نبوتها ، واحتمل التسوية بينهما ، تخصيصا لهما بأدلتهما الخاصة من بين النساء ، واحتمل تفضيل فاطمة عليها ، وعلى غيرها لما تقدم ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في الكلام على زوجاته -صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية