الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3547 - محمد بن علي [بن محمد] بن الحسين بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمويه ، أبو عبد الله الدامغاني :

ولد في ليلة الاثنين ثامن ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة بدامغان ، وتفقه ببلده ، ثم دخل إلى بغداد يوم الخميس سادس عشرين رمضان سنة تسع عشرة فتفقه على أبي عبد الله الحسين بن علي الصيمري ، وأبي الحسين أحمد بن محمد القدوري ، وسمع منهما الحديث ، وبرع في الفقه ، وخص بالعقل الوافر والتواضع ، فارتفع وشيوخه أحياء ، وانتهت إليه الرئاسة في مذهب العراقيين ، وكان فصيح العبارة ، [ ص: 250 ] كثير التشوار في درسه ، سهل الأخلاق ، روى عنه شيوخنا ، وعانى الفقر في طلب العلم ، فربما استضوأ بسراج الحارس .

وحكى عنه أبو الوفاء ابن عقيل أنه قال: كان لي من الحرص على الفقه في ابتداء أمري أني كنت آخذ المختصرات وأنزل إلى دجلة أطلب أفياء الدور الشاطئية والمسنيات ، فأنظر في الجزء وأعيده ، ولا أقوم إلا وقد حفظته ، فأدى بي السعي إلى مسناة الحريم الطاهري ، فجلست في فيئها الثخين ، وهوائها الرقيق ، واستغرقني النظر ، فإذا شيخ حسن الهيئة قد اطلع علي ، ثم جاءني بعد هنيهة فراش فقال: قم معي . فقمت معه حتى جاء بي إلى باب كبير وعليه جماعة حواش ، فدخل بي إلى دار كبيرة وفيها دست مضروب ليس فيها أحد ، فأدناني منه فجلست ، وإذا بذلك الشيخ الذي اطلع علي قد خرج فاستدناني منه ، وسألني عن بلدي فقلت: دامغان ، وكان علي قميص خام وسخ وعليه آثار الحبر ، فقال: ما مذهبك ، وعلى من تقرأ؟ فقلت: حنفي ، قدمت منذ سنين وأقرأ على الصميري ، وابن القدوري . فقال: من أين مؤنتك؟ قلت: لا جهة لي أتمون منها . فقال: ما تقول في مسألة كذا وكذا من الطلاق؟ وبسطني ثم قال: تجيء كل خميس إلى ها هنا . فلما جئت أقوم أخذ قرطاسا وكتب شيئا [ودفعه إلي] وقال: تعرض هذا على من فيه اسمه وتأخذ ما يعطيك . فأخذته ودعوت له ، فأخرجت من باب آخر غير الذي دخلت منه ، وإذا عليه رجل مستند إلى مخدة ، فتقدمت [إليه فقلت] : من صاحب هذه الدار؟ فقال: هذا ابن المقتدر بالله . فقال: فما معك؟

فقلت: شيء كتبه لي . فقال: بخطه ، أين كان الكاتب؟ فقلت: على من هذا؟ فقال: على رجل من أهل باب الأزج: عشر كارات دقيق سميد فائق ، وكانت الكارة تساوي ثمانية دنانير ، وكتب لك بعشرة دنانير . فسررت ومضيت إلى الرجل ، فأخذ الخط ودهش ، وقال: هذا خط مولانا الأمير ، فبادر فوزن الدنانير وقال: كيف تريد الدقيق؟

[ ص: 251 ]

جملة أو تفاريق؟ فقلت: أريد كارتين منها ، وثمن الباقي . ففعل فاشتريت كتبا فقهية بعشرين وكاغدا بدينارين .

وشهد عند أبي عبد الله بن ماكولا قاضي القضاة في يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، فلما توفي ابن ماكولا قال القائم بأمر الله لأبي منصور بن يوسف: قد كان هذا الرجل - يعني ابن ماكولا - قاضيا حسنا نزها ، ولكنه كان خاليا من العلم ، ونريد قاضيا عالما دينا . فنظر ابن يوسف إلى عميد الملك الكندري هو المستولي على الدولة ، وهو الوزير ، وهو شديد التعصب لأصحاب الإمام أبي حنيفة ، فأراد التقرب إليه ، فاستدعى أبا عبد الله الدامغاني فولي قاضي القضاة يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة سبع وأربعين ، وخلع عليه ، وقرئ عهده ، وقصد خدمة السلطان طغرلبك في يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة ، فأعطاه دست ثياب وبغلة ، واستمرت ولايته ثلاثين سنة ، ونظر نيابة عن الوزارة مرتين: مرة للقائم بأمر الله ، ومرة للمقتدي .

وكان يوصف بالأكل الكثير ، فروى الأمير باتكين بن عبد الله الزعيمي قال: حضرت طبق الوزير فخر الدولة ابن جهير ، وكان يحضره الأكابر ، فحضر قاضي القضاة محمد بن علي ، فأحببت أن أنظر إلى أكله ، فوقفت بإزائه ، فأبهرني كثرة أكله حتى جاوز الحد ، وكان من عادة الوزير أن ينادم الحاضرين على الطبق ، ويشاغلهم حتى يأكلوا ، ولا يرفع يده إلا بعد الكل ، فلما فرغ الناس من الأكل قدمت إليهم أصحن الحلوى ، وقدم بين يدي قاضي القضاة صحن فيه قطائف بسكر [وكانت الأصحن] كبارا ، يسع الصحن منها أكثر من ثلاثين رطلا ، فقال له الوزير يداعبه: هذا برسمك .

فقال: هلا أعلمتموني . ثم أكله حتى أتى على آخره .

مرض أبو عبد الله الدامغاني يوم الأربعاء سابع عشر رجب ، وكان الناس يدخلون فيعودونه إلى آخر يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب ، فحجب عن الناس الخميس [ ص: 252 ] والجمعة وتوفي ليلة السبت الرابع والعشرين من رجب . وقد ناهز الثمانين . فنزع الفقهاء طيالستهم يوم موته ، وصلى عليه ابنه أبو الحسن ، ودفن بداره بنهر القلائين ، ثم نقل إلى مشهد أبي حنيفة .

3548 - محمد بن علي بن المطلب ، أبو سعد :

كان قد قرأ النحو واللغة ، والسير ، والآداب ، وأخبار الأوائل ، وقال شعرا كثيرا ، إلا أنه كان كثير الهجو ، ثم مال عن ذلك ، وأكثر الصوم والصلاة والصدقة ، وروى الحديث عن ابن بشران ، وابن شاذان ، وغيرهما ، وغسل مسودات شعره ، وأحرق بعضها بالنار ، وتوفي في هذه السنة وهو ابن ست وثمانين سنة .

3549 - محمد بن أبي طاهر ، العباسي ، ويعرف بابن الرجحي :

تفقه على أبي نصر ابن الصباغ وشهد عند الدامغاني وناب في القضاء فحمدت طريقته وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بمقبرة الجامع .

3550 - منصور [بن دبيس] بن علي بن مزيد :

توفي [وتولى الإمارة ابنه سيف الدولة صدقة] وتوفي في رجب هذه السنة . [ ص: 253 ]

3551 - هبة الله [بن عبد الله] بن أحمد بن السيبي ، أبو الحسن :

ولد سنة أربع وتسعين وثلاثمائة ، وسمع أبا الحسين بن بشران ، وابن أبي الفوارس ، وابن الحمامي ، وابن شاذان ، وكان مؤدبا للمقتدي ، ثم أدب أولاده .

توفي في محرم هذه السنة ، ودفن بمقبرة باب حرب ، وبلغ خمسا وثمانين سنة .

وكان ينشد من إنشائه:


رجوت الثمانين من خالقي لما جاء فيها عن المصطفى     فبلغنيها وشكرا له
وزاد ثلاثا بها أردفا     وها أنا منتظر وعده
لينجزه فهو أهل الوفا

3552 - أبو البركات الموسوي الشريف:

كان له نقابة المشهد بسامراء ، وكان من ظراف البغداديين وكرمائهم ، وكان يصلي عامة الليل ، وتوفي في شعبان هذه السنة ، عن ثلاثة عشر ولدا ذكرا ، وبنت واحدة .

3553 - الجهة القائمية: أم ولد القائم بأمر الله ، الذخيرة والسيدة:

توفيت يوم الجمعة رابع عشرين جمادى الآخرة ، وأخرجت عشية الجمعة ، وصلى عليها ابن ابنها المقتدي بأمر الله ، وحملت في الطيا إلى باب الطاق ، فوصلت بعد عتمة ، ومشى الناس كلهم سوى الوزير إلى التربة بشارع الرصافة ، وجلس للعزاء بها ثلاثة أيام ، وكانت قد أوصت بجزء من مالها للحج والصدقات والقرب ، ويذكر عنها الصوم والصلاة والورع . [ ص: 254 ]

3554 - يحيى بن محمد بن القاسم ، أبو المعمر المعروف: بابن طباطبا العلوي :

وكان بقية شيوخ الطالبيين ، وكان هو وأخوه نسابتهم ، وكان ينزل بالبركة من ربع الكرخ ، وكان مجمعا لظراف الطالبيين وعلمائهم وشعرائهم وفضلائهم ، وكان يذهب مذهب الإمامية وقد قرأ طرفا من الأدب .

وتوفي في رمضان هذه السنة ، وهو آخر بني طباطبا ولم يعقب . [ ص: 255 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية