الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه نودي في يوم الخميس غرة المحرم برفع الضرائب والمكوس بتوقيع شريف صدر عن المقتدي بأمر الله ، وكتبت ألواح ألصقت على الجوامع بتحريم ذلك .

وخرج السلطان ملك شاه في رابع المحرم إلى ناحية الكوفة للصيد فاصطاد هو وعسكره ألوفا حتى بني من حوافرها منارة كبيرة عند الرباط الذي أمر ببنائه بالسبيعي بقرب الرحبة في طريق مكة ، وهي باقية إلى الآن ، وتسمى: منارة القرون ، وقيل إنه كان فيها أربعة آلاف رأس .

وخرج نظام الملك إلى المشهد بالكوفة والحائر فزارهما .

وفي يوم السبت سابع عشر المحرم: بعث المقتدي ظفر الخادم فاستدعى السلطان ملك شاه ، فأنفذ إليه الطيار ، فلما وصل السلطان إلى باب الغربة قدم إليه مركوب الخليفة بمركب جديد صيني وسرج من لبد أسود ، فركبه ووصل إلى الخليفة فأمره بالجلوس فامتنع ، فأمره ثانيا وأقسم عليه حتى جلس ، وتقدم بإضافة الخلع عليه ، ولم يزل نظام الملك يأتي بأمير أمير إلى تجاه السدة فيقول للأمير بالفارسية: هذا أمير المؤمنين ، ثم يقول للخليفة: هذا العبد الخادم فلان بن فلان ولايته كذا ، وعسكره كذا ، وذلك الأمير يقبل الأرض ، وكانوا أكثر من أربعين أميرا ، وكان في جملة الأمراء

[ ص: 268 ]

آيتكين خال السلطان ، فلما حضر استقبل القبلة ، وصلى بإزاء الخليفة ركعتين ، واستلم الحيطان ، ومسح بيده وجسمه ، وعاد السلطان وعليه الخلع والتاج والطوقان ، وكمشتكين الجامدار يرفع ذيله عن يمينه ، وسعد الدولة يرفعه عن شماله ، فمثل بين يدي السدة وقبل الأرض دفعات ، فقلده سيفين فقال الوزير أبو شجاع: يا جلال الدولة ، هذا سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الذي اصطفاه الله بعز الإمامة ، واسترعاه الأمة ، فقد أوقع الوديعة عندك موقعها ، وقلدك سيفين لتكون قويا على أعداء الله . فسأل تقبيل يد الخليفة فلم يجبه ، فسأل تقبيل خاتمه فأعطاه إياه فقبله ووضعه على عينه ، وحضر الناس بأجمعهم فشاهدوا الخليفة والسلطان ، ثم انكفأ وحمل بين يديه ثلاثة ألوية ، وثلاث أفراس في السفن ، وأربعة على الطريق ، واستقبل من داره بالدبادب والرايات ، ونثرت الدراهم والدنانير ، وأنفذ إليه الخليفة سريرا مذهبا ومخادا .

وفي يوم الاثنين ثاني عشر محرم: جاء نظام الملك إلى دار ابنة مؤيد الملك ، فبات بها وجاء من الغد إلى المدرسة ، ولم يكن رآها نهارا ، وجلس بها وقرئ عليه فيها الحديث ، وأملى أيضا الحديث ، وبات بدار ولده ، وعاد إلى الزاهر من الغد .

وأنفذ السلطان في ثامن عشر المحرم إلى الخليفة صندوقين فيهما مال وعمل للأمراء سماطا ، ثم اجتاز السلطان في الحريم ولم يكن رآه ، وخرج إلى الحلبة ، ثم عاد بعد أيام فجاز فيه ، فنثرت عليه الدراهم والدنانير وأثواب الديباج وغلق البلد لذلك ، ثم عبر في هذا اليوم إلى الجانب الغربي ، فدخل العطارين والقطيعتين ، ومضى إلى الشونيزي والتوثة ، ونزل دجلة .

قال المصنف: وقرأت بخط ابن عقيل قال: دخل نظام الملك بغداد أواخر سنة ثمانين ، فلم يدرك رجلا يومئ إليه من أهل العلم .

وفي يوم الأحد خامس عشرين محرم: أمر الناس بتعليق وتزيين البلد لأجل زفاف خاتون بنت ملك شاه إلى المقتدي ، وكان الزفاف في مستهل صفر ، ونقل الجهاز على مائة وثلاثين جملا ، وبين يديه البوقات والطبول والخدم في نحو ثلاثة آلاف فارس ، ونثر عليه بغداد ، ثم نقل بعد ذلك شيء آخر على أربعة وسبعين بغلا ، وكان على ستة منها [ ص: 269 ] الخزانة وهي اثنا عشر صندوقا من فضة ، وبين يديها ثلاثة وثلاثون فرسا ، والخدم والأمراء بين يدي ذلك .

فلما كانت عشية الجمعة سلخ محرم ركب الوزير أبو شجاع إلى خاتون زوجة السلطان فقال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة إلى الدار العزيزة . فقالت: السمع والطاعة للمراسم الشريفة ، فجاء نظام الملك وأبو سعد المستوفي والأمراء وكل واحد معه الأمناء الكثيرة ، ثم جاءت خاتون الخليفة من وراء ذلك كل في محفة مرصعة بالجوهر وقد أحاط عجفتها مائتا جارية من خواصها بالمراكب العجيبة ، فوصلت إلى الخليفة فأهديت إليه تلك الليلة .

فلما كان يوم السبت مستهل صفر صبيحة البناء أحضر الخليفة عسكر السلطان على سماط استعمل فيه أربعون ألفا منا سكرا ، وخرج السلطان ليلة الزفاف إلى الصيد على عادة الملوك فغاب ثلاثة أيام .

وفي خامس صفر: تقدم السلطان بالنداء في سوق المدرسة: لا حريم إلا لأمير المؤمنين ، وهذا الموضع داخل في حريمه .

وفي هذا اليوم: هرب تركي إلى دار الخليفة من أجل أنه أخذ صبيا فأدخل في دبره دبوسا فمات ، فسلمه الخليفة إلى أصحاب الملك فصلب .

وفي نصف صفر: خرج ملك شاه من بغداد نحو أصفهان ومعه نظام الملك ، وخرج الوزير أبو شجاع فودعه بالنهروان .

التالي السابق


الخدمات العلمية