الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي هذه السنة: كان بمكة رخص لم يشاهد مثله ، وبلغ البر والتمر مائتي رطل بدينار ، وهذا غريب هناك .

[ ص: 46 ]

وورد كتاب المسافرين من دمشق بسلامتهم من طريق السماوة ، وأنهم مطروا في نصف تموز حتى كانت الجمال تخوض في الماء ، وامتلأت المصانع والزبى .

وفيها: زادت الغارات ، حتى إن قوما من التجار أعطوا على وجه الخفارة من النهروان أربعة عشر ألف دينار ، ومائة كر ، ومائتي رأسا من الغنم .

وفي شوال: عاد لقريش بن بدران رسول يقال له: نجدة ، من حضرة السلطان ، وكان قريش قد أنفذ هذا الصاحب في صحبة السيدة أرسلان خاتون امرأة القائم بأمر الله ، وأصحبه رسالة إلى السلطان يعده برد الخليفة إلى داره ، ويشير عنه بالقرب ليفعل ذلك ، ويتمكن منه ، وكان قد ورد كتاب من السلطان إلى قريش عنوانه: للأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران مولى أمير المؤمنين ، من شاهنشاه المعظم ملك المشرق والمغرب طغرلبك أبي طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق ، وعلى رأس الكتاب العلامة السلطانية بخط السلطان: "حسبي الله" وكان في الكتاب: والآن قد سرت بنا المقادير إلى كل عدو للدين والملك ، ولم يبق لنا وعلينا من المهمات إلا خدمة سيدنا ومولانا الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين ، واطلاع أبهة إمامته على سرير عزه ، فإن الذي يلزمنا ذلك ولا فسحة في التضجيع فيه ساعة واحدة من الزمان ، وقد أقبلنا بخيول المشرق إلى هذا المهم العظيم ، ونريد من الأمير الجليل علم الدين إتمام السعي النجيح ، الذي وفق له ، وتفرد به ، وهو أن يتم وفاءه من أمانته وخدمته في باب سيدنا ومولانا القائم بأمر الله ، أمير المؤمنين من أحد الوجهين إما أن يقبل به إلى ذكر عزه ، ومثوى إمامته ، وموقف خلافته من مدينة السلام ، وينتدب بين يديه موليا أمره ومنفذا حكمه ، وشاهرا سيفه وقلمه ، وذلك المراد ، وهو خليفتنا في تلك الخدمة المفروضة ، وتوليه العراق بأسرها ، وتصفى له مشارع برها وبحرها لا يطأ حافر خيل من خيول [ ص: 47 ] العجم شبرا من أراضي تلك الممالك إلا بالتماسه لمعاونته ومظاهرته ، وإما أن يحافظ على شخصه [الكريم] العالي بتحويله من القلعة إلى حلته ، أو في القلعة إلى حين لحاقنا بخدمته ، فنتكفل بإعادته ، وليكون الأمر الجليل مخيرا بين أن يلتقي بنا أو يقيم حيث شاء ، فنوليه العراق ، ونستخلفه في الخدمة الإمامية ، ونصرف أعنتنا إلى الممالك الشرقية .

فهممنا لا تقتضي إلا هذا الغرض من العرض ، ولا نسف إلى مملكة من تلك الممالك بل الهمة دينية ، وهو أدام الله تمكينه يتقن ما ذكرنا ، ويعلم أن توجهنا إثر هذا الكتاب لهذا الغرض المعلوم ولا غرض سواه ، فلا يشعرن قلوب عشائره رهبة ، فإنهم كلهم إخواننا ، وفي ذمتنا وعهدنا ، وعلينا به عهد الله وميثاقه ما داموا موافقين للأمير الجليل في موالينا ، ومن اتصل به من سائر العرب والعجم والأكراد ، فإنهم مقرون في جملته ، وداخلون في عهدنا وذمتنا ، ولكل مخترم في العراق عفونا وأماننا مما بدر منه ، إلا البساسيري ، فإنه لا عهد له ولا أمان ، وهو موكول إلى الشيطان وتساويله ، وقد ارتكب في دين الله عظيما ، وهو إن شاء الله مأخوذ حيث وجد ، معذب على ما عمل ، فقد سعى في دماء خلق كثير بسوء دخيلته ، ودلت أفعاله على فساد عقيدته ، فإن سرب في الأرض فإلى أن يلحقه المكتوب على جبهته ، وإن وقف فالقضاء سابق إلى مهجته ، والله تعالى يجازي الأمير الجليل على كل سعي تجشم في مصالح الدين ، وفي خدمة إمام المسلمين . وقد حملنا الأستاذ العالم أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب بن فورك ، ومعتمد الدولة أبا الوفاء زيرك ما يؤديانه من الرسائل وهو يصغي إليهما ، ويعتمد عليهما ، ويسرحهما إلى القلعة؛ ليخدما مجلس سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عنا . وكتب في رمضان سنة إحدى وخمسين .

وحمل مع هذين الرسولين خدمة إلى الخليفة أربعون ثوبا أنواعا ، وعشرة دسوت ثياب مخيطة ، وخمسة آلاف دينار ، وخمسة دسوت مخيطة من جهة خاتون زوجة القائم .

[ ص: 48 ]

فحكى "نجدة" لقريش أن السلطان طغرلبك بهمذان في عساكر كثيرة ، وهو بنية المسير إلى العراق متى لم يرد الخليفة إلى بغداد ، فخاف قريش وارتاع ، فابتاع جمالا عدة ، وأصلح بيوتا كثيرة ، وأنفذ إلى البرية من يحفر فيها ويعمرها ليدخلها ، ثم أنفذ الكتاب الوارد إليه مع "نجدة" إلى البساسيري ليدبر الأمر على مقتضاه ، فأنفذ البساسيري إلى بغداد ، فأخذ دوابه وجماله ورحله إلى مقره بواسط ، وكاتب أهله يطيب نفوسهم ويقول: متى صح عزم هذا الرجل على قصد العراق سرت إليكم وأخذتكم ، فلا تشغلوا قلوبكم .

وتقدم بأن يسلخ ثور أسود ويؤخذ جلده فيكسى به رمة أبي القاسم ابن المسلمة ، ويجعل قرناه على رأسه ، وفوقهما طرطور أحمر ، ففعل ذلك .

ثم أجاب البساسيري إلى عود الخليفة ، وشرط في ذلك شروطا منها: أن يكون هو النائب على باب الخليفة ، والخادم دون غيره ، ورد خوزستان والبصرة إليه على قديم عادته ، وأن يخطب للخليفة فقط دون أن يشاركه في الخطبة ركن الدين ، وبعث مع رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة من يتولى إحلاف الخليفة له على ما اشترط ، وعرف البساسيري قرب السلطان ، فكاتب أصحابه بالبصرة ليصعدوا إليه ليقصد بغداد ، فأعجل الأمر عن ذلك ، وانحدر حرم البساسيري وأولاده وأصحابهم وأهل الكرخ والمتشبهون في دجلة ، وعلى الظهر ، وبلغت أجرة السمارية إلى النعمانية عشرة دنانير ، ونهب الأعراب والأكراد أكثر المشاة ، ولما وصل السائرون على الظهر إلى صرصر غرق في عبورهم قوم منهم ، وبقي أكثر العامة لم يعبروا ، فعطف عليهم بنو شيبان فنهبوهم ، وقتلوا أكثرهم ، وعروا نساءهم ، وتقطعت قطعة منهم في السواد .

وكان خروج أصحاب البساسيري في اليوم السادس من ذي القعدة ، وكذلك كان دخولهم إلى بغداد في سادس ذي القعدة ، وكان تملكهم سنة كاملة ، وثار الهاشميون وأهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوها وطرحوا النار في أسواقها ودروبها ، واحترقت دار الكتب التي وقفها [ ص: 49 ] سابور بن أردشير الوزير في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ، وكان فيها كتب كثيرة ، واحترق درب الزعفراني ، وكان فيه ألف ومائتا دار ، لكل دار منها قيمة ، ونهبت الكوفة نيفا وثلاثين يوما .

وأما الخليفة فإن مهارشا العقيلي صاحب الحديثة الذي كان مودعا عنده حلف له ووثق من نفسه في حراسة مهجته ، وأن لا يسلمه إلى عدو ، وكان قد تغير على البساسيري لوعود وعده بها ولم يف له ، وأجفل قريش في البرية مصعدا إلى الموصل بعد أن بعث إلى مهارش يقول له: قد علمت أننا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك ، وقد طلبوه الآن ، وربما قصدوك وحاصروك وأخذوه منك ، فخذه وارحل به وأهلك وولدك إلي؛ فإنهم إذا علموا حصوله بأيدينا لم يقدموا على طرق العراق ، ثم نقرر الأمر في عوده على قاعدة نكون معها سالمين ، ونقترح ما نريد من البلاء عوضا عن رده ، وما أروم تسليمه منك ، بل يكون في يدك على جملته بحيث لا يمكن أن يؤخذ قهرا من أيدينا .

فقال مهارش للرسول: قل له إن البساسيري غدرني ، ولم يف بما ضمنه لي ، وبعثت بصاحبي إلى بغداد ، وقلت له قد برئت من اليمين التي لكم في عنقي ، فأنفذوا وتسلموا صاحبكم الذي عندي فلم يفعل ، وعرف الخليفة خلاص رقبتي من اليمين التي كانت علي فاستحلفني لنفسه ، وتوثق مني بما لا يمكن فسخه .

وقال مهارش للخليفة: الرأي الخروج والمضي إلى بلد بدران بن مهلهل؛ لننظر ما قد يجد من أمر هذا السلطان الوارد ، ونكون في موضع نأمن به وندبر أمورنا بمقتضى الأمر ، فما آمن أن يجيئنا البساسيري فيحضرنا فلا نملك اختيارنا . فقال له: افعل ما ترى .

فسارا من الحديثة في يوم الاثنين الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حصلا بقلعة تل عكبرا ، فلقيه ابن فورك هناك وسلم إليه ما أنفذه السلطان ، وكتب إلى السلطان يخبره الحال ، ويسأله إنفاذ سرادق كبير ، وخيم ، وفروش ، وكان السلطان حينئذ قد وصل إلى بغداد ، ففرح السلطان بذلك ، ونهب عسكر السلطان ما بقي من نهر طابق ، وباب [ ص: 50 ] البصرة ، وجميع البلد ، ولم يسلم من ذلك إلا حريم الخليفة ، وكان أكثره خاليا ، وأخذ الناس فعوقبوا ، واستخرجت منهم الأموال بأنواع العذاب ، وتشاغل بعمارة دار المملكة ، فوقع النقض في أكثر ما سلم .

وبعث السلطان عميد الملك ومن استعقله من الأمراء والحجاب في نحو ثلاثمائة غلام ، وأصحبهم أربع عشرة بختية عليها السرادق الكبير ، والعدد من الخيم ، والخركاهات ، والآلات ، والفروش ، ستة أبغل عليها الثياب والأواني ، وبغلا عليه مهد مسجف ، وثلاثة أفراس بالمراكب الذهب .

قال ابن فورك: فاستقبلتهم ، فاستشرحني عميد الملك ما جرى ، فشرحته . فقال: تقدم واضرب السرادق والخيام ، وانقل أمير المؤمنين من حيث هو إليها ليلقاه فيها ، وإذا حضرنا فليؤخر الإذن لنا ساعة كبيرة ، فسبقت وفعلت ذلك ، ودخل عميد الملك فأورد ما أوجب إيراده من سرور السلطان وابتهاجه بما يسره الله تعالى له من خلاصه ، وشكر مهارشا على جميل فعله ، وسأل الخليفة السير ، فقال: بل نستريح يومين ونرحل؛ فقد لحقنا من النصب ما يجب أن يحلل بالراحة ، قال: كما ترى .

وكتب عميد الملك إلى السلطان كتابا فشرح له ما جرى فيه [وأحب] أخذ خط الخليفة على رأسه؛ تصديقا لما يتضمنه ، فلم يكن عنده دواة حاضرة ، فأحضر عميد الملك من خيمته دواة فتركها بين يديه ، وأضاف إليها سيفا منتخبا ، وقال: هذه خدمة محمد بن منصور -يعني نفسه- جمع في هذه الدولة بين خدمة السيف والقلم .

فشكره الخليفة وأقاموا يومين ، ثم وقع الرحيل ، فوصلوا إلى النهروان يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي القعدة . فأشعر السلطان بذلك فقال: قولوا لأبي نصر -يعني عميد الملك- يقيم إلى أن ينزل الخليفة ويستريح ، ويصلي ويتناول الطعام ، ثم يعرفني حتى أجيء وأخدمه .

[ ص: 51 ]

فلما جاء وقت العصر جاء عميد الملك فأخبر السلطان بعد أن استأذن له الخليفة ، فركب فلما وقعت عينه على السرادق نزل عن فرسه ومشى إلى أن وصله ، فدخل فقبل الأرض سبع مرات ، فأخذ الخليفة مخدة من دسته فطرحها له بين يديه ، وقال: اجلس .

فأخذ المخدة فقبلها ، ثم تركها وجلس عليها ، وأخرج من قبائه الجبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه ، فطرحه بين يديه ، وأخرج اثنتي عشرة حبة لؤلؤا كبارا مثمنة ، فقال: أرسلان خاتون -يعني زوجة الخليفة- تخدم ، وتسأل أن تسبح بهذه السبحة ، فقد أنفذتها معي ، وكان يكلم عميد الملك وهو يفسره ، واعتذر عن تأخره عن الورود إلى الحضرة الشريفة واستخلاص المهجة الكريمة بما كان من [عصيان] أخيه إبراهيم ، وقال: كان من الإخوة الحسدة ، وقد جرت له بالعصيان عوائد عفوت عنه فيها ، فأطمعه ذلك ، فلما عاد فعله بالضرر على أمير المؤمنين والدين والدولة العباسية خنقته بوتر قوسه ، وشفع ذلك وفاة الأخ الأكبر داود ، فأحوجني الأمر إلى [ترتيب حتى] رتبت أولاده مكانه ، فلم يمكن أن أصمد لهذه الخدمة ، ثم أعددت لأصل إلى الحديثة ، وأخدم المهجة الشريفة ، فوصل إلي الخبر بما كان من تفضل الله تعالى في خلاصها ، وخدمة هذا الرجل -يعني مهارشا- بما أبان عن صحيح ديانته ، وصادق عقيدته ، وأنا إن شاء الله أمضي وراء هذا الكلب -يعني البساسيري- وأقتنصه وأيمم إلى الشام ، وأفعل بصاحب مصر فيها ما يكون جزاء لفعل البساسيري هاهنا .

فدعا له الخليفة وشكره وقلده بيده سيفا كان إلى جنبه ، وقال: إنه لم يسلم مع أمير المؤمنين وقت خروجه غير هذا السيف ، وقد تبرك به ، وشرفك بتقليده . فتقلده وقبل الأرض ، ونهض واستأذن للعسكر ، فأذن ، فدخل الأتراك من جوانب السرادق ، وكشفت أغطية الخركاه المضروبة على الخليفة حتى شاهدوه وخدموه وانصرفوا ، ووقع المسير من غد ، والدخول إلى بغداد .

وتقدم الخليفة بضرب خيمة في معسكر السلطان ، وقال: أريد أن أكون معه إلى أن يكفي الله من أمر هذا اللعين ، فما تأمن الخدمة الشريفة المقام في مكان لا يكون فيه .

[ ص: 52 ]

فقال السلطان: الله الله ، ما هذا مما يجوز أن يكون مثله ، ونحن الذي يصلح للحرب والسفر والتهجم والخطر دون أمير المؤمنين ، وإذا خرج بنفسه فأي حكم لنا ، وأي خدمة تقع منا؟! وامتنع أن يجيبه إلى ذلك ، فدخل الخليفة البلد ، وتقدم السلطان إلى باب النوبي ، وقعد مكان الحاجب على دكته إلى أن ورد الخليفة والعسكر محتفون به ، ولم يكن في بغداد من يستقبله سوى قاضي القضاة وثلاثة أنفس من الشهود ، وذلك لهرب الناس عن البلد ، ومن بقي منهم فهو في العقوبات وآثار النهب ، فلما وصل إلى الدار أخذ بلجام بغلته حتى وصل إلى باب الحجرة ، وذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة ، فلما نزل الخليفة خدمه السلطان ، واستأذنه في المسير وراء البساسيري ، فأذن له ، فانصرف وعبر إلى معسكره ، فجاءه سرايا ابن منيع متقدم بني خفاجة ، فقال له: الرأي أيها السلطان أن تنفذ معي ألفي غلام من العسكر حتى أمضي إلى طريق الكوفة ، فأشغل البساسيري عن الإصعاد إلى الشام ، ويأخذه من عرقوبه لما تنحدر أنت وراءه ، فلم يعجب السلطان ذلك ، إلا أنه خلع عليه ، وأعطاه سبعمائة دينار ، وأنزل في العسكر .

فلما انتصف الليل انتبه السلطان ، فاستدعى خمارتكين فقال له: اعلم أني قد رأيت الساعة في منامي كأني قد ظفرت بالبساسيري وقتلته ، وينبغي أن يسير عسكر إليه من طريق الكوفة كما قال سرايا ، فإن نشطت أنت فكن مع القوم . فقال: السمع والطاعة .

فسار وسار معه أنوشروان وجماعة من الأمراء ، وتبعهم السلطان في يوم الجمعة تاسع وعشرين [من الشهر] فأما مهارش فإنه اقترح اقتراحات كثيرة ، فأطلق له السلطان [ طغرلبك ] عشرة آلاف دينار ولم يرض ، وأما البساسيري فإنه أقام بواسط [ ص: 53 ] متشاغلا بجمع الغلات والتمور ، وحطها في السفن ليصعد بها إلى بغداد ، مستهينا بالأمور إلى أن ورد عليه الخبر بانحدار أهله وولده ، ودخول الغز ، فأصعد إلى النعمانية بالسفن التي جمع فيها الغلات ، فورد عليه الخبر بدخول السلطان بغداد ، فكاتب ابن مزيد ليجمع العرب ، ولم يتصور أن السلطان نيته الانحدار ، فجاء ابن مزيد إلى نصف الطريق ثم عاد ثم جاء ثم عاد خوفا وخورا ، فانحدر البساسيري إليه وكان قد وكل بأبي منصور بن يوسف ، فأزال ابن مزيد التوكيل عنه ، وقال له: هذا وقت التقبيح . وكان البساسيري شاكا في ابن مزيد مستشعرا منه ، إلا أن الضرورة قادته إليه .

وعلمت العرب أن السلطان نيته قصدهم وبوادي الشام ، فتفرقوا ولم يشعروا إلا بورود السرية إليهم ، وذلك في يوم السبت ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة ، فقال البساسيري لابن مزيد: الرأي كبسهم الليلة ، فإنهم قد قدموا على كلال وتعب . فامتنع ، وقال: نباكرهم غدا .

فراسل أنوشروان ابن مزيد والتمس الاجتماع معه ، فالتقى به فقال له أنوشروان: إن عميد الملك يقرئك السلام ، ويقول لك: قد مكنت في نفس السلطان من أمرك ما جعلت لك فيه المحل اللطيف ، والموقع المنيف ، وشرحت له ما أنت عليه من الطاعة والولاء ، ويجب أن تسلم هذا الرجل ، ويسلم كل من في صحبتك ، فما الغرض سواه ، ولا القصد يتعداه ، لما اقترف من عظيم الجرم ، وإن امتنعت واحتججت بالعربية وذمامها ، وحرمة نزوله عليك ، فانصرف عنه ، ودعنا وإياه .

فقال: ما أنا إلا خادم للسلطان مطيع ، إلا أن للبدوية حكمها ، وقد نزل هذا الرجل علي نزولا ، وما آثرته ولا اخترته ، بل كرهته ، وقد طال أمر هذا الرجل ، والصواب أن نشرع في صلاح حاله واستخدامه .

فقال أنوشروان: هذا هو الصواب ، ونحن نبعد عنكم مرحلة وتبعدون عنا مثلها [ ص: 54 ] حتى لا يتطرق بعضنا إلى بعض ، وأراسل السلطان بما رأيته ، فإنه على نية اللحاق بنا ، ولا شك في وصوله إلى النعمانية ، وما نخالفك على شيء تراه .

وما في الرجلين إلا من قصد خديعة صاحبه ، فأما ابن مزيد: فإنه أراد المدافعة بالحال لتحققه بانحدار السلطان حتى يبعد عنه السرية فيصعد إلى البرية إلى حيث يأمن إلى حلته وعشيرته ، ويدبر أمر انفصاله عن البساسيري .

وأما أنوشروان: فأراد أن يبعد عن القوم ليفسح لهم طريق الانصراف فإذا رحلوا تبعهم وأكب عليهم وهم مشتغلون بالرحلة عن الحرب .

وعاد ابن مزيد فأخبر البساسيري بما جرى ، فرد التدبير إليه ، وقال: الأمر أمرك ، وتأهبت السرية واستظهرت بأخذ العلوفة ، ورحل البساسيري وابن مزيد يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة ، والأتراك يراصدونهم ، فلما أبعدوا عن أعينهم تبعوهم فحاربوهم ، فثبت البساسيري وجماعته ، وأسرع ابن مزيد إلى أوائل الظعن ليحطه ويرد العرب إلى القتال ، فلم يقبلوا منه ، وأسر منصور ، وبدران ، وجماعة أولاد ابن مزيد ، وانهزم البساسيري على فرسه فلم ينجه ، وضرب فرسه بنشابة فرمته [إلى] الأرض ، وأدركه بعض الغلمان فضربه ضربة على وجهه ولم يعرفه ، وأسره كمشتكين دواتي عميد الملك ، وحز رأسه وحمله إلى السلطان ، وساق الترك الظعن ، وأخذت أموال عظيمة عجزوا عن حملها ، وهلك من البغداديين الذين كانوا معهم خلق كثير ، وأخذت أموالهم ، وتبددوا في البراري والآجام ، وأخذت العرب من سلم .

وقد ذكرنا أن أصحاب البساسيري دخلوا إلى بغداد في اليوم السادس من ذي القعدة وخرجوا منها في سادس ذي القعدة ، وكان ملكهم سنة كاملة ، واتفق إخراج الخليفة من داره يوم الثلاثاء [ثامن عشر كانون الثاني ، ومقتل البساسيري يوم الثلاثاء] ثامن عشر كانون الثاني من السنة الآتية ، وهذا من الاتفاقات الظريفة .

[ ص: 55 ]

ولما حمل الرأس إلى السلطان حكى له الذي أسره أنه وجد في جيبه خمسة دنانير ، وأحضرها ، فتقدم السلطان إلى أن يفرغ المخ من رأسه ويأخذ الخمسة دنانير ، ثم أنفذه حينئذ إلى دار الخلافة ، فوصل في يوم السبت النصف من ذي الحجة ، فغسل ونظف ، ثم ترك على قناة ، وطيف به من غد ، وضربت البوقات والدبادب بين يديه ، واجتمع من النساء والنفاطين [وغيرهم] بالدفوف ومن يغني بين يديه ، ونصب من بعد ذلك على رأس الطيار مدة بإزاء دار الخلافة ، ثم أخذ إلى الدار .

وعرض في يوم السبت المذكور من الجو انقضاض كواكب كثيرة ، ورعد شديد قبل طلوع الشمس بساعة ، وكان ذلك مفرطا .

وهرب ابن مزيد إلى البطيحة ونجا معه ابن البساسيري وبنته وأخواه الصغيران ووالدتهما ، وكانت العرب سلبتهم ، فاستهجن ابن مزيد ذلك وارتجع ما أخذ ، ثم هرب ابن البساسيري إلى حلب ، ثم توسط أمر ابن مزيد مع السلطان ، فأطلق أولاده وإخوته ، وحضر فداس البساط ، وأصعد معه إلى بغداد ، ونهب العسكر ما بين واسط والبصرة والأهواز .

وفي هذا الشهر: أنفذ السلطان من واسط والدة الخليفة ، ووالدة الأمير أبي القاسم عدة الدين بن ذخيرة الدين ، ووصال القهرمانة ، وكن في أسر البساسيري ، فتبعهم جمع كثير من الرجال والنساء المأخوذين في الوقعة .

وفي هذا الشهر: عول من الديوان علي بن أبي علي الحسن بن عبد الودود بن المهتدي في الخطابة بجامع المنصور بدلا من أبي الحسن بن أحمد بن المهتدي ، وعزلا له لأجل ما أقدما عليه في أيام البساسيري من تولي الخطبة في هذا الجامع لصاحب مصر .

قال محمد بن عبد الملك الهمذاني: ولما عاد القائم من الحديثة لم ينم على [ ص: 56 ] وطاء ، ولم يمكن أحدا أن يقرب إليه فطوره ولا طهوره ، ولأنه نذر أن يتولى ذلك بنفسه ، وعقد مع الله سبحانه العفو عمن أساء إليه والصفح ، وجميع من تعدى عليه ، فوفى بذلك ، وأشرف في بعض الأيام على البناءين والنجارين في الدار ، فرأى فيهم روزجاريا ، فأمر الخادم بإخراجه من بينهم ، فلما كان في بعض الأيام عاد فرآه معهم ، فتقدم إلى الخادم أن يبره بدينار ، وأن يخرجه ويتهدده إن عاد ، فأتاه الخادم ففعل ما رسم له ، وقال: إن رأيناك ها هنا قتلناك ، فسئل الخليفة عن السبب فقال: إن هذا الروزجاري بعينه أسمعنا عند خروجنا من الدار الكلام الشنيع ، وتبعنا بذلك إلى المكان الذي نزلناه من مشهد باب التبن ، ولم يكفه ذلك حتى نقب السقف ، فإذا أنا بغباره ، وتبعنا إلى عقرقوف فبدر من جهله ما أمسكنا عن معاقبته؛ رجاء ثواب الله تعالى ، وما عاقبت من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية