الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3574 - إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن سعيد ، أبو القاسم السامري من أهل نيسابور :

سمع الحديث الكثير من أبي بكر الحيري ، وأبي سعيد الصيرفي ، وابن باكويه وغيرهم ، وسافر البلاد ، وعبر وراء النهر . روى عنه أشياخنا ، وكان ثقة فاضلا له حظ من الأدب ومعرفة بالعربية ، وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة بنيسابور .

3575 - شافع بن صالح بن حاتم ، أبو محمد الجيلي :

سمع من أبي علي بن المذهب والعشاري ، وأبي يعلى بن الفراء وعليه تفقه .

توفي في صفر هذه السنة .

3576 - طاهر بن الحسين ، أبو الوفاء البندنيجي الهمذاني :

كان شاعرا مبرزا ، له قوة في لزوم ما لا يلزم ، وله قصيدتان إحداهما في مدح نظام

[ ص: 272 ]

الملك وهي نيف وأربعون بيتا غير معجمة كلها أولها .


لاموا ولو علموا ما اللوم ما لاموا ورد لومهم هم وآلام

وأخرى معجمة كلها نحوها في العدد ، وكان قويا في علم النحو واللغة والعروض ، ولم يمدح لابتغاء عرض ، وكان يعد ذلك عارا .

توفي في رمضان هذه السنة عن نيف وسبعين سنة بالبندنيجين .

3577 - عبد الله بن نصر ، أبو محمد الحجادي .

سمع الحديث ، وصحب الزهاد ، وتفقه على مذهب أحمد بن حنبل ، وكان خشن العيش في عبادته ، وحج على قدميه بضع عشرة سنة ودفن في ربيع الأول من هذه السنة بباب حرب .

3578 - عبد الملك بن الحسن بن خيرون بن إبراهيم ، أبو القاسم الدباس ، أخو أبي الفضل ابن خيرون أبو شيخنا أبي منصور .

كان رجلا صالحا من خيار البغداديين ، روى عنه ابنه ، وشيخنا عبد الوهاب .

توفي في ذي الحجة من هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب .

3579 - فاطمة بنت علي المؤدب ، المعروفة: ببنت الأقرع الكاتبة :

سمعت أبا عمر بن مهدي وغيره ، حدثنا عنها أشياخنا ، وكان خطها مستحسنا في الغاية ، وكانت تكتب على طريقة ابن البواب ، وكتب الناس على خطها ، وأهلت لحسن [ ص: 273 ] خطها لكتابة كتاب "الهدنة" إلى ملك الروم من الديوان العزيز ، وسافرت إلى بلاد الجبل إلى عميد الملك أبي نصر الكندري .

وسمعت شيخنا أبا بكر محمد بن عبد الباقي البزار يقول: الكاتبة فاطمة بنت الأقرع تقول: كتبت ورقة لعميد الملك الكندري فأعطاني ألف دينار .

وتوفيت في محرم هذه السنة ، ودفنت بباب أبرز .

3580 - محمد بن أمير المؤمنين المقتدي [بأمر الله .

توفي عن جدري وقد قارب تسع سنين ، فاشتدت الرزيئة فيه ، وجلس للعزاء بباب الفردوس ثلاثة أيام ، وحضر الناس على طبقاتهم ، فخرج التوقيع يتضمن أن أمير المؤمنين أولى من اقتدى بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى يقول: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون الآية .

وذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات ولده إبراهيم ، وقد عزى أمير المؤمنين نفسه بما عزى الله تعالى به الأمة بعد نبيه بقوله: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فإنا لله وإنا إليه راجعون ، تسليما لحكمه ورضا بقضائه ، فليعلم الحاضرون ما رجع إليه أمير المؤمنين وأن العلم الشريف محيط بحضورهم ، وليؤذن لهم في الانكفاء .

3581 - محمد بن [محمد] بن زيد [بن علي بن موسى] بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني ، ذو الكنيتين: أبو المعالي وأبو الحسن ، الملقب: بالمرتضى [ذو الشرفين] . [ ص: 274 ]

ولد سنة خمس وأربعمائة ، وسمع الحديث الكثير ، وصحب أبا بكر الخطيب ، وتلمذ له وأخذ عنه علم الحديث ، فصارت له به معرفة حسنة ، وسمع بقراءته الكثير من شيوخه ، وروى عنه الخطيب في مصنفاته ، وكان بغدادي المولد والمنشأ ، ثم سكن سمرقند ، وأملى الحديث بأصبهان وغيرها ، وكان يرجع إلى عقل كامل ، وفضل وافر ، ورأي صائب ، وصنف فأجاد ، وكان له دنيا وافرة ، وكان يملك نحو أربعين قرية بنواحي كش ، وكان يخرج زكاة ماله ثم يتنفل بالصدقة الوافرة ، فكان ينفذ إلى جماعة من الأئمة الأموال إلى كل بلد واحد من ألف دينار إلى خمسمائة إلى سبعمائة ، فربما بلغ ببعثه عشرة آلاف دينار ، وكان يقول: هذه زكاة مالي ، وأنا غريب لا أعرف الفقراء ففرقوها أنتم عليهم ، وكل من أعطيتموه شيئا من المال فابعثوه إلي حتى أعطيه عشر الغلة ، وكان يصرف أمواله إلى سبل البر .

وحسده قاضي البلد فقال للخضر بن إبراهيم وهو ملك ما وراء النهر: إن له بستانا ليس للملوك مثله . فبعث إليه أني أريد أن أحضر بستانك . فقال للرسول: لا سبيل إلى ذلك ، لأني عمرته من المال الحلال ليجتمع عندي فيه أهل الدين ، فلا أمكنه من الشرب فيه . فأخبر الأمير فغضب ، وأعاد الرسول فأعاد الشريف الجواب ، وأراد أن يقبض عليه فاختفى ، وطلب فلم ير ، فأظهروا أن الخضر قد ندم على ما كان فعل ، فظهر فبعث إليه الأمير بعد مدة نريد أن نشاورك في مهمات ، فحضر فحبسه واستولى على أمواله .

فحكى بعض وكلائه قال: توصلت إليه وقلت إنهم يأخذون مالك من غير اختيارك فأعطهم ما يريدون وتخلص . فقال: لا أفعل وقد طاب لي الحبس والجوع ، فإني كنت أفكر في نفسي منذ مدة وأقول من يكون من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد أن يبتلى في ماله ونفسه ، وأنا قد ربيت في النعم والدولة ، فلعل في خللا ، فلما وقعت هذه الواقعة [ ص: 275 ] فرحت بها ، وعلمت أن نسبي صحيح متصل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أفعل شيئا إلا برضى الله تعالى ، فمنعوه من الطعام فمات .

وكان هذا في هذه السنة ، وأخرج في الليل من القلعة ، فلما علم ولده نقله إلى موضع آخر ، فقبره هناك يزار .

وحكى أبو العباس جعفر بن أحمد الطبري قال: رأيت المرتضى أبا المعالي بعد موته وهو في الجنة بين يديه مائدة طعام موضوعة . فقيل له: ألا تأكل؟ قال: لا حتى يجيء ابني فإنه غدا يجيء ، فلما انتبهت من نومي قتل ابنه الظهر في ذلك اليوم .

3582 - محمد بن أبي سعد ، أحمد بن الحسن بن علي بن سليمان بن الفرج ، أبو الفضل المعروف بالبغدادي ، وهو من أهل أصبهان .

ولد في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة ، وسمع وحدث ووعظ ، وكان يوصف بالفصاحة والعلم بالتفسير والمعاني . روى عنه ولده أبو سعد شيخنا وعبد الوهاب الحافظ . توفي ببغداد عند رجوعه من الحج في صفر هذه السنة .

3583 - محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم ، أبو الحسن الصابي ، الملقب: بغرس النعمة .

سمع أباه وأبا علي بن شاذان . وذيل على تاريخ والده الذي ذيله أبوه على تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيله على تاريخ ابن جرير ، وكان له صدقة ومعروف ، وخلف سبعين ألف دينار . توفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن في داره بشارع ابن عوف ، ثم نقل إلى مشهد علي عليه السلام .

قال المصنف [رحمه الله] : ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قال: حضرنا عند بعض الصدور فقال: هل بقي ببغداد مؤرخ بعد ابن الصابي؟ فقال القوم: لا!

[ ص: 276 ]

فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله ، يخلو هذا البلد العظيم من مؤرخ حنبلي - يعني ابن عقيل نفسه - هذا مما يجب حمد الله عليه ، فإنه لما كان البلد مملوءا بالأخيار وأهل المناقب قيض الله لها من يحكيها ، فلما عدموا وبقي المؤذي والذميم الفعل أعدم المؤرخ ، وكان هذا ستر عورة .

وحكى عنه هبة الله بن المبارك السقطي: أنه كان يجازف في تاريخه ، ويذكر ما ليس بصحيح ، قال: وقد ابتنى بشارع ابن أبي عوف دار كتب ، ووقف فيها نحوا من أربعمائة مجلد في فنون العلوم ، ورتب بها خازنا يقال له: ابن الأقساسي العلوي ، وتكرر العلماء إليها سنين كثيرة ما لم تزل له أجرة ، فصرف الخازن وحك ذكر الوقف من الكتب وباعها ، فأنكرت ذلك عليه فقال: قد استغنى عنها بدار الكتب النظاية .

قال المصنف: فقلت بيع الكتب بعد وقفها محظور . فقال: قد صرفت ثمنها في الصدقات .

3584 - هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد المحلى ، أبو نصر :

سمع ابن المهتدي ، وابن المأمون ، والخطيب وخلقا كثيرا ، وكتب الكثير ، وكان حلو الخط ، وصنف وجمع وأنشأ الخطب والمواعظ ، وأدركته المنية قبل بلوغ زمان الرواية ، وإنما سمع منه القليل ، فتوفي في هذه السنة ودفن بمقبرة جامع المنصور .

3585 - أبو بكر بن عمر .

أمير الملثمين ، كان بأرض غانة في مجاهدة الكفار ، وقام له ناموس لم يقم مثله لأحد بالدين والزهد ، وكان يركب إذا ركب أصحابه ، ويطعم إذا طعموا ، ويجوع إذا جاعوا وقد قيل إنه لم يتوجه في وجه من مجاهدة أو دفع عدو في أقل من خمسمائة ألف كل يعتقد طاعة الله تعالى في طاعته ، وكان يحفظ الحرمات ، ويراعي قوانين الإسلام مع صحة المعتقد ، وموالاة الدولة العباسية ، فأصابته نشابة في حلقه فمات بها في هذه السنة عن نيف وستين سنة . [ ص: 277 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية