الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ذكر تزويج المولى عبده وأمته ولم يذكر رضاهما ) وهذا يرجع إلى مذهبنا أن للمولى إجبارهما على النكاح . وعند الشافعي لا إجبار في العبد وهو رواية عن أبي حنيفة لأن النكاح من خصائص الآدمية والعبد داخل تحت ملك المولى من حيث إنه مال فلا يملك [ ص: 398 ] إنكاحه ، بخلاف الأمة لأنه مالك منافع بضعها فيملك تمليكها . ولنا لأن الإنكاح إصلاح ملكه لأن فيه تحصينه عن الزنا الذي هو سبب الهلاك أو النقصان فيملكه اعتبارا بالأمة ، بخلاف المكاتب والمكاتبة لأنهما التحقا بالأحرار تصرفا فيشترط رضاهما .

التالي السابق


( قوله قال ) أي صاحب الهداية ( ذكر ) أي محمد ( تزويج المولى عبده وأمته ولم يذكر رضاهما ) أي لم يشترطه ( وهذا يرجع إلى مذهبنا ) ; لأن المذهب ( أن للمولى إجبارهما ) أي أن يعقد لهما فينفذ عليهما علما ورضيا أو لا كإجبار الولي الصغيرة على ما سلف ( وعند الشافعي لا إجبار في العبد ) بل في الأمة ( وهو رواية ) ذكرها ( عن أبي حنيفة ) صاحب الإيضاح والطحاوي عن أبي يوسف ، وجعلها الوبري رواية شاذة للشافعي وجهان :

أحدهما أن ما يتناوله النكاح لا يملكه المولى فعقدة تصرف فيما لا يملكه فانتفى كالأجنبي وكتزويجه مكاتبه ومكاتبته ، بخلاف أمته يملك ما يتناوله فيملك تمليكه .

ثانيهما : أنه لا يفيد إذ للعبد التطليق في الحال فلا يحصل المقصود ، ونحن نقول مناط نفاذ إنكاحه عليه ملكه له المقتضي لتمكنه من إصلاحه ودفع أسباب الهلاك والنقصان عنه وهو تزويجه ذلك ; لأنه طريق تحصينه عن الزنا الذي هو طريق الهلاك أو النقصان به أو في ماليته لتعيبه .

وأما جعل مناطه ملك ما يتناوله النكاح وأنها علة مساوية ينتفي بانتفائها الحكم فباطل ; لأنها منتقضة طردا في الزوج يملك ما يتناوله النكاح من زوجته ولا يملك تمليكه وعكسا بالولي لا يملكه من موليته ويملك تزويجها . وأما نفي الفائدة فظاهر الانتفاء ، بل الظاهر عدم مبادرته للطلاق من وجهين :

أحدهما أن عقد النكاح مما ترغب فيه النفس غالبا وتدعو إليه فالظاهر عدم طلب قطعه .

والثاني أن حشمة السيد في قلب عبده مانعة من اجترائه عليه بالمبادرة إلى نقض ما فعله ، فكان الظاهر وجود الفائدة لا نفيها .

وأما إلحاقه بالمكاتب والمكاتبة فمع الفارق ; لأنهما التحقا بالأحرار في التصرفات فلا ينفذ تصرفه عليهما إلا برضاهما وعن هذا استطرقت مسألة نقلت من المحيط هي أن المولى إذا زوج [ ص: 398 ] مكاتبته الصغيرة توقف النكاح على إجازتها ; لأنها ملحقة بالبالغة فيما ينبني على الكتابة ، ثم إنها لو لم ترد حتى أدت فعتقت بقي النكاح موقوفا على إجازة المولى لا على إجازتها ; لأنها بعد العتق لم تبق مكاتبة وهي صغيرة والصغيرة ليست من أهل الإجازة ، فاعتبر التوقف على إجازتها في حال رقها ولم يعتبر بعد العتق ، هكذا تواردها الشارحون .

والذي يقتضيه النظر عدم التوقف على إجازته بعد العتق بل بمجرد عتقها ينفذ النكاح لما صرحوا به من أنه إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فأعتقه نفذ ; لأنه لو توقف فإما على إجازة المولى وهو ممتنع لانتفاء ولايته ، وإما على العبد فلا وجه له ; لأنه مصدر من جهته فكيف يتوقف عليه ولأنه كان نافذا من جهته وإنما توقف على السيد ، فكذا السيد هنا فإنه ولي مجبر ، وإنما التوقف على إذنها لعقد الكتابة وقد زال فبقي النفاذ من جهة السيد ، فهذا هو الوجه ، وكثيرا ما يقلد الساهون الساهين ، وهذا بخلاف الصبي إذا زوج نفسه بغير إذن وليه فإنه موقوف على إجازة وليه ، فلو بلغ قبل أن يرده لا ينفذ حتى يجيزه الصبي ; لأن العقد حين صدر منه لم يكن نافذا من جهته إذ لا نفاذ في حالة الصبا أو عدم أهلية الرأي ، بخلاف العبد ومولى المكاتبة الصغيرة .

والحاصل أن الصغير والصغيرة ليسا من أهل العبارة ، بخلاف البالغ ، وسيأتي زيادة في ذلك . وأما الاستدلال بقوله تعالى { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } وقدرة إبطال ما أمضاه سيده شيء فيكون منتفيا فضعيف ; لأن المراد والله أعلم على شيء من المال لسياقه في مقابلة { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } { فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون } وللقطع بأنه يملك الطلاق وهو شيء ليس بمال




الخدمات العلمية