الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 479 ] لا غير مرئي ; وإن ملء ظرف ولو ثانيا بعد تفريغه ، [ ص: 480 ] إلا في كسلة تين ، وعصافير حية بقفص ، وحمام برج

التالي السابق


( لا ) يجوز بيع ( غير مرئي ) جزافا إلا الخل الذي يفسده الفتح إن لم يكن ملء ظرف ، بل ( وإن ) كان ( ملء ) بكسر الميم وسكون اللام ( ظرف ) بفتح الظاء المعجمة وسكون الراء أي وعاء كغرارة وقارورة إن كان فارغا ، بل ( ولو ) كان ملآن وباع ما فيه مع ملئه ( ثانيا بعد تفريغه ) بدرهم مثلا فلا يجوز لعدم رؤية ملئه ثانيا حين بيعهما معا ، وليس الظرف مكيالا معتادا وإلا لم يكن جزافا .

وأشار بولو لما في سماع عيسى بن القاسم في رجل وجد مكتلا ملآن طعاما فاشتراه بدينار ففرغه ثم قال املأه لي ثانية بدينار فلا بأس به ، فإن قال له أعطني الآن كيلها بدينار لم يكن فيه خير ، ولو وجد غرارة ملأى لم يكن بأس أن يشتريها بدينار ، ولو جاءه بغرارة فقال له املأ لي هذه الغرارة بدينار لم يكن فيه خير ابن رشد هذا كما قال إنما يجوز شراء ذلك جزافا إذا لم يقصد فيه إلى الغرر بأن وجده جزافا في وعاء أو غيره فيشتريه كما وجده ، فالفرق بين شراء الطعام يجده في المكتل أو الغرارة جزافا بدينار ، وبين قوله املأ لي ذلك ثانية بدينار أن الأولى لم يقصد إلى الغرر إذا اشتراه كما وجده جزافا ، والثاني قصدا إلى الغرر إذ ترك أن يشتريه بمكيال معلوم فاشتراه بمكيال مجهول ولا يجوز الشراء بمكيال مجهول إلا في موضع ليس فيه مكيال معلوم على ما قاله في المدونة ، ودل عليه قوله في هذه الرواية إن كان بموضع فيه مكاييل ، فلما كان لا يجوز أن يقول له ابتداء املأ لي هذه الغرارة بدينار إذ لا يعلم مبلغ كيلها فلا يجوز أن يقول ذلك بعد أن اشتراها ملأى كما وجدها إذ لا يعلم كيلها بتقدم شرائه إياها جزافا .

ولو قال رجل لآخر صبر لي من طعامك هاهنا صبرة وأنا أشتريها منك جزافا لما انبغى أن يجوز ذلك لما فيه من القصد إلى الغرر على قياس ما قلناه ، ويجوز شراء ما في المكيال المجهول على أنه جزاف بشروطه لا على أنه مكيل به مع تيسر المكيال المعلوم . [ ص: 480 ] المازري هجس في نفسي أنه لا فرق بين ما أجازوه وما منعوه إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة ولمقدار ملئها منه ، وأشار ابن رشد لما يفيد جوابه بأن ما أجازوه لم يقصد فيه إلى الغرر لحضوره فخف أمره بخلاف ملئه ثانيا ، فإنه غرر مدخول عليه . ويمكن الجواب بأن الرخصة إنما وردت في الحاضر ولا يقاس عليها . وذكر " غ " عن القباب أن ما جرت العادة به من إعطاء البزار درهما ليعطيه به أبزارا نحو فلفل فيجعل شيئا في ورقة ويطويها عليه ويأخذه المشتري من غير حزره ولا رؤيته لا يجوز فإن فتحه ورآه جاز .

وأخذ بعضهم من جواب ابن رشد أن شرط الجزاف مصادفته فلا يجوز الدخول عليه فلا يجوز أن تعطي الفوال أو العطار درهما على أن يعطيك شيئا جزافا وخصوصا مع عدم رؤيته وعدم حزره ، وقد اعترض ابن علال ومعاصروه قول القباب ، فإن فتحه ورآه جاز بأن فيه جزف لي واشترى منك ، وقد نص في البيان على منعه ، قال وعندي أن معنى ما في البيان إذا كان على وجه الإلزام ، فإن كان على الخيار عند رؤيته جاز .

واستثنى من وإن ملء ظرف إلخ فقال ( إلا ) أن يقع بيع ملء ظرف ثانيا بعد تفريغه ( في كسلة ) بفتح السين المهملة وشد اللام ، أي إناء مضفور من خشب رقيق أو قصب فارسي ل ( تين ) وزبيب وقربة ماء وجرته وراويته ونحوها مما جرى العرف بجعله كالمكيال المعلوم ، فيجوز بيع ملئه فارغا وبيع ملئه الحاضر مع ملئه ثانيا بعد تفريغه ; لأنه بمنزلة المكيال المعلوم .

( و ) لا يجوز بيع ( عصافير ) ونحوها مما يتداخل من الطير ( حية بقفص ) ; لأنه يدخل بعضه تحت بعض فلا يمكن حزره ، ومفهوم حية جواز بيع المذبوحة جزافا ( وهو كذلك ) ولا يجوز بيع ( حمام ) بتخفيف الميم ( برج ) بضم الموحدة وسكون الراء آخره جيم بناء من قواديس لسكنى الحمام لعدم إمكان حزره ، فإن حزره جاز [ ص: 481 ] قاله ابن القاسم ، ففي العتبية من سماع أصبغ من ابن القاسم أنه أجاز بيع البرج بما فيه ، وبيع جميع ما فيه إذا رآه وأحاط به معرفة وحزرا . ا هـ . ابن عرفة محمد عن ابن القاسم لا بأس ببيع ما في البرج من حمام أو بيعه بحمامه جزافا والمنع فيهما لابن نافع في المدنية . الحطاب ورجح في الشامل الجواز وهو الظاهر ; لأنه قول ابن القاسم في الموازية والعتبية .




الخدمات العلمية