الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 638 ] ومال الكتابي الحر المؤدي للجزية لأهل دينه من كورته ،

التالي السابق


( ومال الكتابي الحر المؤدي للجزية لأهل دينه من كورته ) بضم الكاف ، أي بلده المجتمعين معه في ضرب الجزية عليهم . طفي هذه عبارة ابن الحاجب وانتحلها مع أن فيها حشوا وإيهاما ، إذ تقييده بالكتابي يوهم أن غيره ليس كذلك ، مع أن الحكم واحد ، وقيد المؤدي للجزية يعني عن الحرية وأخل بقيد كونه لا وارث له . وعبارة ابن شاس إذا هلك الكافر المؤدي للجزية ولا حائز لماله بميراث يعلم فماله لأهل دينه يختص به منهم أهل كورته الذين جمعهم [ ص: 639 ] وإياه ما وضع من الجزية . ا هـ . مع أن المعتمد كما قال ابن مرزوق وتبعه " ح " أن ماله لجماعة المسلمين أعني العنوي .

ابن عرفة ابن رشد إنما يكون ميراث من مات من أهل الذمة ولا وارث له من أهل دينه للمسلمين ، ولا يجاز له وصيته أكثر من الثلث إذا كان من أهل العنوة أو من أهل الصلح والجزية على جماجمهم وإن كان من أهل الصلح والجزية مجملة عليهم لا ينتقصون منها بموت من مات ولا لعدم من أعدم جاز له أن يوصي بجميع ماله لمن شاء ; لأن ميراثه لأهل دينه على قول ابن القاسم وهو قول سحنون ا هـ .

الحط والحاصل أنه إن لم يكن له وارث وهو عندي فماله للمسلمين ، وإن كان صلحيا فإن وقعت مفرقة على الرقاب أو على الأرض أو عليهما فإنه للمسلمين أيضا ، وإن وقعت مجملة على الأرض والرقاب فإنه لأهل دينه من كورته ا هـ كلام طفي . البناني على ظاهر كلام المصنف اعتراضات أوضحها ابن مرزوق وغيره منها في التقييد بالكتابي ابن مرزوق تخصيص المصنف الذمي بكونه كتابيا لا أعلم له وجها ; لأن المجوسي كذلك ، ومنها في إطلاقه الحرجد . عج هو مقيد بمن لم يعتقه مسلم ; لأن عتيق المسلم ماله لبيت المال إذا لم يكن لمعتقه قرابة على دين العبد قاله فيها ، ومنها أن قيد المؤدي للجزية يغني عن الحر ، ومنها أن وصفه بالمؤدي للجزية يخرج الحربي .

ابن مرزوق في التعرض لإخراجه نظر ; لأنه إن دخل على التجهيز يبعث ماله لأهل بلده ، ومنها إخلاله بقيد لا وارث له . ومنها أن ظاهره يشمل العنوي والصلحي مطلقا مع أن ما ذكره خاص على المعتمد بمؤدي الجزية الصلحية المجملة ، كما ذكره ابن رشد عن ابن القاسم ، ونقله ابن مرزوق والمصنف وغيرهما ، ونصه إذا لم يكن لليهودي أو النصراني ورثة من أهل دينه فليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه ; لأن ورثته المسلمون وهو نص قول ابن القاسم ، وهذا إذا كان من أهل العنوة أو من أهل الصلح والجزية على جماجمهم . وأما إن كان من أهل الصلح والجزية مجملة عليهم لا ينقصون منها لموت من مات ولا لعدم من أعدم [ ص: 640 ] فيجوز له أن يوصي بجميع ماله لمن شاء ; لأن ميراثه لأهل مؤداه على مذهب ابن القاسم ، وهو قول سحنون ، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أن ميراثه للمسلمين إذا لم يكن له وارث من أهل دينه على كل حال ، والله أعلم .




الخدمات العلمية