الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
7581 - ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقول خيرا (حم ق د ت) عن أم كلثوم بنت عقبة (طب) عن شداد بن أوس. (صح)

التالي السابق


(ليس الكذاب) أي ليس يأثم في كذبه ، من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم (بالذي) وفي رواية: الذي (يصلح) بضم الياء (بين الناس) أي من يكذب لإصلاح المتشاجرين أو المتباغضين ، فإن قيل: هذا الحديث يعارضه خبر: إنه عليه السلام رأى الكذاب يعذب بالكلوب من حديد ، قلنا: العذاب على الكذب عام فيه كله ، وما جاء في غيره فهو تخصيص للعام ، وهذا هو الذي تناوله الحديث ، وكذا كل كذب يؤدي إلى خير كما أشار إليه بقوله (فينمي) بفتح أوله وكسر الميم مخففا ، أي يبلغ (خيرا) على وجه الإصلاح (ويقول خيرا) أي يخبر بما عمله المخبر عنه من الخير ، ويسكت عما عمله من الشر ، فإن ذلك جائز بل محمود ، بل قد يندب ، بل قد يجب ، لكن في اشتراط قصد التورية خلف ، وليس المراد نفي ذات الكذب ، بل نفي إثمه ، فالكذب كذب وإن قيل لإصلاح أو غيره ، كذا قرره جمع ، وقال البيضاوي : قوله "ينمي خيرا" أي يبلغ خير ما يسمعه ويدع شره ، يقال: نميته الحديث مخففا في الإصلاح ، ونميته مثقلا في الإفساد ، والأول من النماء ، لأنه رفع لما يبلغه ، والثاني من النميمة ، وإنما نفى عن المصلح كونه كذابا باعتبار قصده ، وهذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلبا للسلامة ودفعا للضرر ، ورخص في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح ، والكذب في الإصلاح بين اثنين: أن ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيرا ويبلغه جميلا وإن لم يكن سمعه منه بقصد الإصلاح ، والكذب في الحرب: أن يظهر في نفسه قوة ، ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد عدوه ، والكذب للزوجة: أن يعدها ويمنيها ويظهر لها أكثر مما في نفسه ، ليستديم صحبتها ويصلح به خلقها ، قال النووي : وقد ضبط العلماء ما يباح من الكذب ، وأحسن ما رأيته في ضبطه قول الغزالي : الكلام وسيلة إلى المقاصد ، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة ، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذب فيه مباح لمباح وواجب لواجب ، وفي الحديث دليل الصوفية على ما يفعلونه من المكر بنفوسهم ، فيعدونها بشهوتها كي تبلغهم ما يريدون من الطاعة ، فإذا فعلت وعدوها بمواعد أخر ثم هكذا ، فالوعد للنفس بمرغوبها كالوعد للزوجة بذلك. [ ص: 360 ]

(حم ق د ت عن أم كلثوم بنت عقبة) بن أبي معيط (طب عن شداد بن أوس) الخزرجي.



الخدمات العلمية