الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( لكن إن لم ترض المرأة والأولياء جميعهم ، فلمن لم يرض الفسخ . فلو زوج الأب بغير كفء برضاها . فللإخوة الفسخ ) . هذا كله مفرع على الرواية الثانية . وهو الصحيح . نص عليه . جزم به القاضي في الجامع الكبير ، والهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والوجيز ، وناظم المفردات . وصححه في النظم ، وغيره . وقدمه في الفروع . قال الزركشي : هذا الأشهر . وهو من مفردات المذهب . وعنه : لا يملك إلا بعد الفسخ ، مع رضى المرأة والأقرب . وأطلقهما في المحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير . فعلى الأول : له الفسخ في الحال ومتراخيا . ذكره القاضي وغيره . [ ص: 107 ] قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : ينبغي أن يكون على التراخي . في ظاهر المذهب ; لأنه خيار لنقص في المعقود عليه . فعلى هذا : يسقط خيارها بما يدل على الرضى من قول أو فعل . وأما الأولياء : فلا يثبت إلا بالقول .

فائدة :

قال الزركشي : لو عقده بعضهم ، ولم يرض الباقون : فهل يقع العقد باطلا من أصله ، أو صحيحا ؟ على روايتين . حكاهما القاضي في الجامع الكبير . أشهرهما الصحة . قلت : وهو ظاهر كلام المصنف هنا من قوله " فلمن لم يرض الفسخ " ولا يكون الفسخ إلا بعد الانعقاد . وهو ظاهر كلام غيره أيضا . وقال الزركشي ، في موضع آخر : إذا زوجها الأب بغير كفء وقلنا : الكفء ليس بشرط ففي بطلان النكاح روايتان : البطلان كنكاح المحرمة والمعتدة والصحة ، كتلقي الركبان . وقيل : إن علم بفقد الكفاءة : لم يصح . وإلا صح . وقيل : يصح إن كانت الزوجة كبيرة ، لاستدراك الضرر . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : طريقة المجد في المحرر : أن الصفات الخمس معتبرة في الكفاءة . قولا واحدا . ثم هل يبطل النكاح فقدها أو لا يبطله ، لكن يثبت الفسخ ، أو يبطله فقد الدين والمنصب ، ويثبت الفسخ فقد الثلاثة ؟ على ثلاث روايات . وهي طريقته . انتهى .

قوله ( والكفاءة : الدين والمنصب ) . يعني : لا غير . وهذا إحدى الروايتين . جزم به الخرقي ، وصاحب الوجيز ، والمنور ، وغيرهم . واختاره ابن أبي موسى ، وغيره . وقدمه في الرعايتين ، والحاوي الصغير ، وغيرهم . [ ص: 108 ] وعنه : أن الحرية والصناعة واليسار من شروط الكفاء أيضا . وهو المذهب اختاره القاضي في تعليقه ، والشريف أبو جعفر ، وأبو الخطاب في خلافيهما . وقدمه في المستوعب ، والخلاصة ، والمحرر ، والفروع . وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، والبلغة ، والشرح ، والنظم . وذكر القاضي في المجرد : أن فقد الثلاثة لا يبطل النكاح . قولا واحدا . وأما فقد الدين ، والمنصب ، فقيل : يبطل . رواية واحدة . وقيل : فيه روايتان . وقيل : المبطل فقد المنصب . ذكره ابن خطيب السلامية في نكته . قال ابن عقيل : الذي يقوى عندي وهو الصحيح أن فقد شرط واحد مبطل . وهو النسب . وما عدا ذلك لا يبطل النكاح واختار المصنف ، والشارح : أن " الحرية " من شروط الكفاءة . واختار الشيرازي : أن " اليسار " من شروط الكفاءة . وقال الشيخ تقي الدين : لم أجد نصا عن الإمام أحمد رحمه الله ببطلان النكاح لفقر أو رق . ولم أجد أيضا عنه نصا بإقرار النكاح مع عدم الدين والمنصب ، خلافا . واختار أن النسب لا اعتبار به في الكفاءة . وذكر ابن أبي موسى عن الإمام أحمد رحمه الله ما يدل عليه . واستدل الشيخ تقي الدين رحمه الله ، بقوله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } . وقيل : الكفاءة النسب فقط . وهو توجيه للقاضي في المجرد . وقال بعض المتأخرين من الأصحاب : إذا قلنا الكفاءة حق لله تعالى : اعتبر " الدين " فقط ، قال : وكلام الأصحاب فيه تساهل ، وعدم تحقيق . قال في الفروع : كذا قال . [ ص: 109 ] قلت : هذا كلام ساقط . ولم يفهم معنى كلام الأصحاب .

فائدتان

إحداهما : " المنصب " هو النسب . وأما " اليسار " فهو بحسب ما يجب للمرأة وقيل : تساويهما فيه . قال الزركشي : معنى الكفاءة في المال : أن يكون بقدر المهر والنفقة . قال القاضي ، وأبو محمد في المغني : لأنه الذي يحتاج إليه في النكاح . ولم يعتبر في الكافي إلا " النفقة " فقط . واعتبر ابن عقيل : أن يكون بحيث لا يغير عليها عادتها عند أبيها في بيته .

الثانية : لا تعتبر هذه الصفات في المرأة وليست الكفاءة شرطا في حقها للرجل . وفي الانتصار احتمال : يخير معتق تحته أمة . وفي الواضح احتمال : يبطل النكاح بعتق الزوج الذي تحته أمة . بناء على الرواية فيما إذا استغنى عن نكاح الأمة بحرة . فإنه يبطل . ويأتي ذلك في أوائل الفصل الثالث من باب الشروط في النكاح .

التالي السابق


الخدمات العلمية