الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
9939 - لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (حم ق ن هـ) عن أنس - (صح)

التالي السابق


(لا يؤمن أحدكم) لفظ رواية ابن ماجه : أحد، أي إيمانا كاملا، ونفي اسم الشيء بمعنى الكمال عنه مستفيض في كلامهم، وخصوا بالخطاب لأنهم الموجودون إذ ذاك، والحكم عام (حتى أكون أحب إليه) غاية لنفي كمال الإيمان، ومن كمل إيمانه علم أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بترجيح حبه على حب كل (من ولده ووالده) أي أصله وفرعه وإن علا أو نزل، والمراد من له ولادة، وقدم الولد على الوالد لمزيد الشفقة، وفي رواية للبخاري تقديم الوالد، ووجهه أن كل أحد له والد ولا عكس، وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل عند البعض من نفسه، ولذلك لم يذكر النفس، وشمل لفظ الوالد الأم إن أريد من له ولادة أو ذات ولد، ويحتمل أنه اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى من أحد الضدين بالآخر، وعطف عليه من عطف العام على الخاص قوله (والناس أجمعين) حبا اختياريا إيثارا له عليه الصلاة والسلام على ما يقتضي العقل رجحانه من حبه احتراما وإكراما وإجلالا، وإن كان حب غيره لنفسه وولده مركوزا في غريزته، فسقط استشكاله بأن المحبة أمر طبيعي غريزي لا يدخله الاختيار، فكيف تكلف به؟ إذ المراد حب الاختيار المستند إلى الإيمان كما تقرر، فمعناه: لا يؤمن أحدكم حتى يؤثر رضاي على هوى والديه وأولاده، قال الكرماني: ومحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إرادة طاعته وترك مخالفته، وهو من واجبات الإسلام، والحديث من جوامع الكلم، لأنه جمع فيه أصناف المحبة الثلاث: محبة الإجلال [ ص: 442 ] وهي محبة الأصل، ومحبة الشفقة وهي محبة الوالد، ومحبة المجانسة وهي محبة الناس أجمعين، وشاهد صدق ذلك بذل النفس في رضا المحبوب، وإيثاره على كل مصحوب، قال الإمام النووي: وفي الحديث تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فمن رجح جانب المطمئنة كان حبه لنبيه راجحا، ومن رجح الأمارة كان بالعكس

[تنبيه] قال الكرماني: "أحب" أفعل تفضيل بمعنى مفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، إذ القياس أن يكون بمعنى فاعل، وفصل بينه وبين معموله بقوله "إليه" لأن الممتنع الفصل بأجنبي، مع أن الظرف يتوسع فيه

(حم ق ن) في الإيمان (هـ) في السنة (عن أنس) بن مالك، ورجاله ثقات.



الخدمات العلمية