الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وشر لساني وقلبي وشر منيي اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول اللهم إني أعوذ بك من القسوة والغفلة والعيلة والذلة والمسكنة وأعوذ بك من الكفر والفقر والفسوق والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وضيق الأرزاق والسمعة والرياء وأعوذ بك من الصمم والبكم والعمى والجنون والجذام والبرص وسيئ الأسقام اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك ومن تحول عافيتك ومن فجأة نقمتك ومن جميع سخطك اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر وشر فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من المغرم والمأثم اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع ، وقلب لا يخشع وصلاة لا تنفع ودعوة لا تستجاب وأعوذ بك من شر الغم وفتنة الصدر اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء وصلى الله على محمد وعلى كل عبد مصطفى من كل العالمين آمين .

التالي السابق


( اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري ومن شر لساني) أي: نطقي؛ فإن أكثر الخطايا منه، وهو الذي يورد المرء المهالك، وخص هذه الجوارح؛ لأنها مناط الشهوة ومثار اللذة .

( و) من شر ( قلبي) يعني: نفسي، والنفس مجمع الشهوات والمفاسد بحب الدنيا، والرهبة من الخلق، وخوف فوت الرزق، والأمراض القلبية من نحو حسد وحقد وطلب رفعة، وغير ذلك .

( و) من ( شر منيي) يعني: من شر شدة الغلمة وسطوة الشهوة إلى الجماع، الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا أو مقدماته لا محالة، فهو حقيق بالاستعاذة من شره، وخص هذه الأشياء بالاستعاذة؛ لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه .

قال العراقي: رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصحح إسناده، من حديث شكل بن حميد العبسي. اهـ .

قلت: لفظ الترمذي: قال شكل بن حميد: قلت: "يا رسول الله علمني تعوذا أتعوذ به، قال: فأخذ بكفي فقال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي" يعني: فرجه، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى. اهـ كلام الترمذي، وشكل بالتحريك له صحبة، ولم يرو عنه إلا ابنه شتير، قال صاحب سلاح المؤمن: وليس لشكل [ ص: 86 ] في الكتب الستة إلا هذا الحديث .

( اللهم إني أعوذ بك من جار السوء) أي: من شره ( في دار المقامة) فإنه هو الشر الدائم والأذى الملازم ( فإن جار البادية يتحول) لقصر مدته، فلا يعظم الضرر فيها، وفي رواية للطبراني: "جار السوء في دار الإقامة قاصمة الظهر".

قال العراقي: رواه النسائي، والحاكم من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط مسلم. اهـ .

قلت: واللفظ للحاكم، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دعائه، فساقه. ورواه ابن ماجه أيضا في صحيحه .

( اللهم إني أعوذ بك من القسوة) أي: غلظ القلب وصلابته ( والغفلة) أي: ذهول القلب عن ذكر الله تعالى إهمالا وإعراضا ( والعيلة) أي: الاحتياج وقلة ذات اليد ( والذلة) بالكسر: الهوان على الناس، ونظرهم إلى الإنسان بعين الاحتقار، والاستخفاف به ( والمسكنة) قلة المال وسوء الحال ( وأعوذ بك من الفقر) فقر النفس لا ما هو المتبادر من معناه من إطلاقه على الحاجة الضرورية؛ فإن ذلك يعم كل موجود يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله .

( والكفر) عنادا أو جحدا أو تدينا، وأورده عقب الفقر؛ لأنه يفضى إليه ( والفسوق) الخروج عن الاستقامة، والجور ( والشقاق) مخالفة الحق بأن يصير كل من المنازعين في شق، أي: ناحية، كأن كل قرين يحرص على ما يشق على الآخر ( والنفاق) الحقيقي أو المجازي ( والسمعة) بالضم: التنويه بالعمل ليسمعه الناس ( والرياء) بالكسر: إظهار العبادة ليراها الناس فيحمدوه، فالسمعة أن يعمل لله خفية ثم يتحدث به تنويها، والرياء أن يعمل لغير الله .

وذكر هذه الخصال لكونها أقبح خصال الناس، فاستعاذته منها إبانة عن قبحها، وزجر للناس عنها بألطف وجه، وأمر بتجنبها بالالتجاء إلى الله .

( وأعوذ بك من الصمم) بطلان السمع أو ضعفه ( والبكم) أي: الخرس، أو هو: أن يولد لا ينطق ولا يسمع، والخرس أن يخلق بلا نطق ( والجنون) زوال العقل ( والجذام) علة تسقط الشعر وتفتت اللحم وتجري الصديد منه ( والبرص) محركة: عله تحدث في الأعضاء بياضا رديئا ( وسيئ الأسقام) أي: الأمراض الرديئة كالاستسقاء والسل والمرض المزمن، أي: الأسقام السيئة، فهو من إضافة الصفة للموصوف، قال التوربشتي: ولم يستعذ من سائر الأسقام؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالتصبر خفت مؤنته كحمى وصداع ورمد؛ فلذلك استعاذ من السقم المزمن الذي ينتهي صاحبه إلى حال يفر منه الحميم، ويقل دونه المؤانس والمداوي، مع ما يورث من الشين .

قال العراقي: رواه أبو داود والنسائي مقتصرين على الأربعة الأخيرة، والحاكم بتمامه من حديث أنس، وقال: صحيح على شرط الشيخين. اهـ .

قلت: أصل الحديث عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي بلفظ: "كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" وزاد الحاكم وابن حبان فيه: "والقسوة والغفلة والعيلة والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر والفسوق والشقاق والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصمم والبكم والجنون والجذام، وسيئ الأسقام" هذا لفظ الحاكم .

وبمثله رواه البيهقي في كتاب الدعوات، وروى أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق" وروى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أنس: "اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام".

( اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي: ذهابها، مفرد في معنى الجمع، يعم النعم الظاهرة والباطنة، والنعمة كل ملائم تحمد عاقبته، ومن ثم قالو: لا نعمة لله على كافر، بل ملاذه استدراج، والاستعاذة من زوال النعم يتضمن الحفظ عن الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيلها ( ومن تحول عافيتك) أي: تبدلها، ويفارق الزوال التحول بأن الزوال يقال في كل شيء ثبت لشيء ثم فارقه، والتحويل تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فكأنه سأل دوام العافية، وهي السلامة من الآلام والأسقام .

( ومن فجاءة) بالضم والمد: بغتة ( نقمتك) بكسر فسكون: غضبك وعقوبتك ( ومن جميع سخطك) أي: سائر الأسباب الموجبة لذلك، فإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها، ولا مانع من إرادة السبب والمسبب معا؛ لأن المسبب قد يحصل فيعفى عنه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

[ ص: 87 ] وهذا مقول على منهج التعليم لغيره .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث ابن عمر. اهـ .

قلت: وكذلك رواه أبو داود والنسائي، ولفظهم سواء، إلا عند أبي دواد: "وتحويل عافيتك" .

( اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار) أي: إحراقها بعد فتنتها ( وفتنة النار) سؤال خزنتها وتوبيخهم ( وعذاب القبر) استعاذ منه؛ لأنه أول منزل من منازل الآخرة، فسأل الله تعالى أن لا يتلقاه في أول قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربه ( وفتنة القبر) التحير في جواب الملكين، وهو من عطف العام على الخاص، فعذابه قد ينشأ عن فتنته بأن يتحير فيعذب لذلك، وقد يكون لغيرها، كأن يجيب بالحق ولا يتحير، ثم يعذب على تفريطه في بعض المأمورات أو المنهيات .

وقال الطيبي: قوله: "وفتنة النار" أي: فتنة تؤدي إلى عذاب النار، وإلى عذاب القبر؛ لئلا يتكرر إذا فسرنا بالعذاب .

( وشر فتنة الغنى) أي: البطر والطغيان، وصرف المال في المعاصي ( وشر فتنة الفقر) حسد الأغنياء والطمع فيما لهم، والتذلل لهم بما يدنس العرض، ويثلم الدين، ويوجب عدم الرضا بما قسم ( وشر فتنة المسيح الدجال) سمي الدجال مسيحا لكون إحدى عينيه ممسوحة، أو لمسح الخير منه، فعيل بمعنى مفعول، أو لمسحه الأرض، أي: قطعها في أمد قليل، فهو بمعنى فاعل، وفي ذكر الدجال احتراز عن عيسى -عليه السلام- إنما استعاذ منه مع كونه لا يدركه نشرا لخبره بين أمته جيلا بعد جيل؛ لئلا يلتبس كفره على مدركه.

( وأعوذ بك من المغرم) أي: مغرم الذنوب والمعاصي، أو هو الدين فيما لا يحل، أو فيما يحل لكن يعجز عن وفائه، أما دين احتاجه وهو يقدر على أدائه فلا استعاذة منه، أو المراد: الاستعاذة عن الاحتجاج إليه ( والمأثم) أي: مما يأثم به الإنسان، أو: مما فيه إثم، أو: مما يوجب الإثم، أو الإثم نفسه؛ وضعا للمصدر موضع الاسم .

قال العراقي: متفق عليه من حديث عائشة. اهـ .

قلت: وكذلك رواه الترمذي بتقديم وتأخير، والنسائي وابن ماجه مختصرا، والحاكم بزيادة، ولفظ الجماعة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمغرم والمأثم، اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، ومن شر فتنة المسيح الدجال" الحديث .

وفي الصحيح: "قال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله، قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف".

( اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع، وقلب لا يخشع) تقدم الكلام عليهما قريبا ( وصلاة لا تنفع) أي: صاحبها بقلة الخشوع فيها، فتلف كما يلف الثوب، ويرمى بها على وجه صاحبها، أو المراد بالصلاة الدعاء، ومعنى "لا تنفع": لا تسمع .

( ودعوة لا تستجاب) أي: لا يستجاب لها ( وأعوذ بك من شر الغمر) بكسر الغين العجمة: الحقد، كذا ضبط، أو هو بضم العين المهملة كما سيأتي، وفي بعضها: "من شر الغم" ( ومن ضيق الصدر) هو عدم انفساحه لقبول الإيمان .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث زيد بن أرقم في أثناء حديث: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، وعمل لا يرفع، ودعوة لا يستجاب لها" ولأبي داود من حديث أنس: "اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع" وشك أبو المعتمر في سماعه من أنس، وله وللنسائي بإسناد جيد من حديث عمر في أثناء حديث: "وأعوذ بك من سوء العمر، وأعوذ بك من فتنة الصدر". اهـ .

قلت: وحديث زيد بن أرقم المشار إليه رواه أيضا الترمذي والنسائي، ولفظه: "لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها".

ورواه كذلك أحمد وعبد بن حميد، وتقدم مثل هذه الجمل الأخيرة من حديث ابن مسعود، قال: "كان من دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع" وفيه زيادة تقدم ذكرها .

وروى الترمذي والبيهقي من حديث علي: "كان أكثر ما دعا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشية عرفة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر" قال الترمذي: وليس إسناده بالقوي .

وحديث عمر بن الخطاب الذي أشار إليه العراقي [ ص: 88 ] قد رواه أيضا ابن ماجه وابن حبان في الصحيح، ولفظ أبي داود: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من خمس؛ من الجبن، والبخل، وسوء العمر، وفتنة الصدر، وعذاب القبر".

( اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين) ثقله وشدته، وذلك حيث لا وفاء، سيما مع الطلب، وفي بعض الآثار: "ما دخل هم الدين قلبا إلا أذهب من العقل ما لا يعود".

( وغلبة العدو) أي: تسلطه، والعدو من يفرح بمصيبته ويحزن بمسرته، وقد يكون من الجانبين أو أحدهما ( وشماتة الأعداء) أي: فرحهم بمصيبته، وختم بهذه الكلمة البديعة لكونها جامعة متضمنة لسؤال الحفظ من جميع المعاصي .

قال بعض العارفين: إنما حسن الدعاء بدفع شماتة الأعداء؛ لأن من له صيت عند الناس وتأمل وجد نفسه بينهم كبهلوان يمشي على حبل عال بقبقاب، وجميع الأقران والحساد واقفون ينتظرون متى يزلق، ثم من أشق ما على الزالق أن يغلب عليه رعاية مقامه عند الخلق، فإنه يذوب قهرا، بخلاف من يراعي الخلق، فإن الأذى يخف عليه، ولو أظهر كلهم الشماتة؛ فلذلك خف على العارف أثر شماتة الأعداء، وثقل على المحجوب، وإنما قال -صلى الله عليه وسلم- ذلك خوفا على أتباعه من التفرقة، وقلة انتفاع المؤلفة إذا قل تعظيمه، لا لكونه يتأثر مراعاة لحظ نفسه؛ لعصمته من ذلك، والله أعلم .

قال العراقي: رواه النسائي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: صحيح على شرط مسلم. اهـ .

قلت: ولفظه: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء" وكذا رواه أحمد والطبراني، ورواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه: "غلبة العباد" .




الخدمات العلمية