الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الباب الخامس .

في الأدعية المأثورة عند حدوث كل حادث من الحوادث .

إذا أصبحت وسمعت الأذان فيستحب لك جواب المؤذن وقد ذكرناه وذكرنا أدعية دخول الخلاء والخروج منه وأدعية الوضوء في كتاب الطهارة فإذا خرجت إلى المسجد فقل : اللهم اجعل في قلبي نورا وفي لساني نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا واجعل خلفي نورا وأمامي نورا واجعل من فوقي نورا اللهم أعطني نورا وقل أيضا اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي ؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

التالي السابق


* ( الباب الخامس في الأدعية المأثورة عند كل حادث من الحوادث) *

( إذا أصبحت وسمعت الأذان يستحب لك جواب المؤذن) فتقول مثل ما يقول ( وقد ذكرناه وذكرنا أدعية دخول) بيت ( الخلاء و) أدعية ( الخروج منه و) كذا ( أدعية الوضوء) كل ذلك ( في كتاب) أسرار ( الطهارة) على وجه التفضيل؛ لأن المقام اقتضى ذكرها هنالك، والذي يناسب ذكره هنا أدعية الخروج من المنزل إلى المسجد لقصد الصلاة، فأشار إليه بقوله: ( فإذا خرجت) من منزلك ( إلى المسجد فقل: اللهم اجعل في قلبي نورا) أي: عظيما، كما يفيده التنكير ( وفي لساني نورا) يعني: في نطقي؛ استعارة للعلم والهداية، فهو على وزن فهو على نور من ربه ، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ( وفي سمعي نورا) ليصير مظهرا لكل مسموع، ومدركا لكل كمال، لا مقطوعا ولا ممنوعا .

( واجعل في بصري نورا) ليتحلى بأنوار المعارف، وتتجلى له صنوف الحقائق، فهو راجع إلى البيان والهداية يهدي الله لنوره من يشاء وخص هؤلاء الثلاثة بفي الظرفية؛ لأن القلب مقر الفكر في آلاء الله ونعمائه، ومكانها منه ومعدنها، والأسماع مراسي أنوار وحي الله تعالى، ومحط آياته المنزلة على عباده، والبصر مسارح آيات الله المنصوبة المبثوثة في الآفاق والأنفس ومحلها .

( و) اجعل من ( أمامي نورا و) من ( خلفي نورا و) اجعل من ( فوقي نورا) لأكون محفوفا بالنور من سائر الجهات، فكأنه سأل أن يزج به في النور زجا تتلاشى عنده الظلمات، وتنكشف له المعلومات، ويشاهد بكل جارحة منه سائر المبصرات .

( اللهم أعطني نورا) عظيما، لا يكتنه كنهه؛ لأكون دائم السير والترقي في درجات المعارف، فالقصد طلب مزيد النور ليدوم له الترقي في السير، وأراد بالنور العظيم الجامع للأنوار كلها، وغيرها كأنوار الأسماء الإلهية، وأنوار الأرواح .

وقال الطيبي: معنى طلب النور للأعضاء عضوا عضوا أن تتحلى بأنوار المعرفة والطاعة، وتتعرى عن ظلمة الجهالة والمعصية؛ لأن الإنسان ذو شهوة وطغيان، أي: أنه قد أحاطت به ظلمات الجبلة، معتورة عليه من فوقه إلى قدمه، والأدخنة الثائرة من نيران الشهوات من جوانبه، ورأى الشيطان يأتيه من جميع جهاته بوساوسه وشبهاته، ظلمات بعضها فوق بعض، لم ير للتخلص منها مساغا إلا بأنوار سادة لتلك الجهات، فسأل الله أن يسدده بها ليستأصل شأفة تلك الظلمات؛ إرشادا للأمة، وتعليما لهم، وهذه الأنوار كلها راجعة إلى هداية وبيان، وإلى مطالع هذه الأنوار يشير قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض إلى قوله: نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء وإلى أودية تلك الظلمات يلمح قوله تعالى: [ ص: 89 ] أو كظلمات في بحر لجي إلى قوله: ظلمات بعضها فوق بعض وقوله: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وقال: الأكمل النور الذي فوقه، تنزل روحي إلهي بعلم غريب، لم يسبقه خبر ولا يعطيه نظر، والذي خلقه الذي يسعي بين يديه أتباعه .

قال العراقي: الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس. اهـ .

قلت: قال أبو نعيم في المستخرج: حدثنا أبو محمد بن حبان، حدثنا محمد بن يحيى، يعني ابن منده، حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن فضيل، عن حصين هو ابن عبد الرحمن، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "رقدت عند النبي صلى الله عليه وسلم" فذكر الحديث في صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالليل وقراءته الآيات من آخر سورة آل عمران، وفيه: "ثم أتاه المؤذن، فخرج وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وفي لساني نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، ومن أمامي نورا، ومن خلفي نورا، وأعظم لي نورا" هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم عن واصل بن عبد الأعلى، وأبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، وابن خزيمة عن هارون بن إسحاق، ثلاثتهم عن محمد بن فضيل.

ووقع في رواية مسلم: "من فوقي ومن تحتي" بدل "عن يميني وعن يساري" كما هو عند المصنف، ووقع عنده أيضا: "وأعطني" بدل "وأعظم لي" كما هو عند المصنف، وكذا رواه أبو داود من رواية هشام، عن حصين، لكن قال: "وأعظم لي نورا" .

واختلف الرواة على علي بن عبد الله، وعلى سعيد بن جبير، وغيرهما، عن ابن عباس في محل هذا الدعاء، هل هو عند الخروج إلى الصلاة، أو قبل الدخول فيها، أو في أثنائها، أو عقب الفراغ منها، ويجمع بإعادته، وقد أوضحه الحافظ في فتح الباري .

( وقل اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك) وهم المتضرعون إلى الله تعالى بخالص طوياتهم ( وبحق ممشاي هذا إليك) الممشى مصدر ميمي بمعنى المشي، وهو الانتقال من مكان إلى مكان بإرادة، والمراد بالحق في الموضعين الجاه والحرمة، كما تقدمت الإشارة إليه في آخر كتاب العقائد؛ إذ لا حق لمخلوق على الخالق. وقوله: "إليك" أي: إلى بيتك .

( لم أخرج) من منزلي ( أشرا) محركة: كفر النعمة ( ولا بطرا) محركة، بمعناه، وقيل: الأشر شدة البطر، فهو أبلغ منه، والبطر أبلغ من الفرح؛ إذ الفرح وإن كان مذموما غالبا فقد يحمد على قدر ما يجب في الموضع الذي يجب فبذلك فليفرحوا وذلك لأن الفرح قد يكون من سرور وبحسب قضية العقل، والأشر لا يكون إلا فرحا بحسب قضية الهوي .

( ولا رياء ولا سمعة) قد تقدم تفسيرهما قريبا ( خرجت اتقاء) أي: حذر ( سخطك) وهو الغضب الشديد المقتضي للعقوبة، والمراد هنا إنزال العذاب ( وابتغاء) أي: طلب ( مرضاتك) أي: رضاك ( فأسألك أن تنقذني) أي: تخلصني ( من النار) أي: من عذابها ( وأن تغفر ذنوبي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) .

قال العراقي: رواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد حسن. اهـ .

قلت: رواه ابن ماجه، عن محمد بن يزيد بن إبراهيم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية هو العوفي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج من بيته إلى الصلاة فقال: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا؛ فإني لم أخرج أشرا" وساقه كسياق المصنف، ثم قال: "وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته".

وأخرجه أحمد، عن يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، وهو في كتاب الدعاء للطبراني، عن بشر بن موسى، عن عبد الله بن صالح العجلي، عن فضيل بن مرزوق.

ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد من رواية محمد بن فضيل بن غزوان، ومن رواية أبي خالد الأحمر.

وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني من رواية أبي نعيم الكوفي، كلهم عن فضيل بن مرزوق، وعطية العوفي صدوق في نفسه، حسن له الترمذي عدة أحاديث، بعضها من أفراده، وإنما ضعف من قبل التشيع ومن قبل التدليس .

وقد روي نحو هذا عن بلال -رضي الله عنه- قال أبو بكر بن السني: حدثنا محمد بن عبد الله البغوي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- عن بلال -رضي الله عنه- مؤذن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج إلى الصلاة قال: "بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق [ ص: 90 ] السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا؛ فإني لم أخرجه أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت ابتغاء مرضاتك، واتقاء سخطك، أسألك أن تعيذني من النار، وتدخلني الجنة".

وأخرجه الدارقطني في الأفراد من هذا الوجه، وقال: تفرد به الوازع، وقد قال أبو حاتم وغيره: إنه متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة .




الخدمات العلمية