الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولا ويكابد أكله ويواظب عليه فيصير موافقا لطبعه حتى لا يصبر عنه ، فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف .


هي النفس ما عودتها تتعود .



أي : ما كلفتها أولا يصير لها طبعا آخرا .

التالي السابق


ثم قال المصنف رحمه الله: ( وكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول طعام يسبتشعه) أي: يجده بشعا كريها ( أولا) أي: في أول الأمر ( ويكابد أكله ويواظب عليه) أي: يداوم ( فيصير موافقا لطبعه) ممازجا لمزاجه ( حتى لا يصبر عنه، فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف) أي: لما تحمل تكلفا ( وقد قيل) فيما مضى

( هي النفس ما حملتها تتحمل )

وفي بعض النسخ: ما عودتها تتعود، وهو قول المتنبي، ومثله قوله:


لكل امرئ من دهره ما تعودا

( أي: ما كلفتها أولا يصير لها طبعا آخرا) وربما يفهم من سياق المصنف في قوله: ( حتى يكابد ويجاهد) أن المراد به الرياضة المعروفة للسادة الصوفية من الصوم والخلوة وإمالة [ ص: 22 ] النفس عن الشهوات المألوفة، كما هو الشأن عند الأكثرين في مبدأ السلوك العام، وهو صحيح في نفسه، ولكن ينبغي أن تعرف أن الرياضة لوجه المذكور إنما اشترطها الحكماء لتخلو أفكارهم للتلقي عن الروحانيات؛ فإن الروحانيات لا تعطيهم آثارها إلا بفراغ المحل واستعداده وتوجهه إلى أفقهم، وأما العارفون بالله تعالى فإنهم علموا أن الأشياء كلها نسبتها إلى الحق نسبة واحدة، فهم يشهدونه سبحانه في كل شيء ولا يحجبهم عنه شيء؛ ولهذا جاءت الشرائع بالأمر العام فأثبت كل أحد على أصله؛ إذ لكل نوع منهم أصل إلى الحق، فافهم ذلك .

وإلى ذلك أشار الشيخ شهاب الدين السهروردي في أجوبة أسئلة وردت له من مشايخ خراسان، هو أن الخلوة معينة على دفع آفات النفس، ومعرفة الزيادة والنقص، وقد يترقى المريد بنفس الشيخ وصحبته من غير أن ينحبس في بيت مظلم، بل يسري إليه من باطن الشيخ ما يستغني به عن الخلوة، لكن الخلوة تصلح لبعض المريدين، غير أني لا أحب للمريد أن يترك الصلاة في جماعة، بل يحضر الفرض، ويرجع إلى خلوته؛ حتى لا تكون خلوته رهبانية.

وأما من ترك الجماعة، وزعم أنه في الخلوة، وإن خرج يتشوش عليه خاطره، وتتفرق جمعيته، فهذا ضال ومخطئ، نعوذ بالله منه، ومن يحسن له ذلك فهو عين الضلال، واتباع المحال، بل ببركة المتابعة وابتغاء فضل الجماعة يعود عليه من الفتح والنور أجل مما فاته في خلوته. اهـ .




الخدمات العلمية