الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَالْعِبَادُ الْمُوَاظِبُونَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ بِالْإِيمَانِ التَّقْلِيدِيِّ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ مَحَاسِنِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أُمُورٌ جَمِيلَةٌ اعْتَقَدُوهَا بِتَصْدِيقِ عَنْ وَصْفِهَا لَهُمْ وَالْعَارِفُونَ هُمُ الَّذِينَ شَاهَدُوا ذَلِكَ الْجَلَالَ وَالْجَمَالَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنَ الْبَصَرِ الظَّاهِرِ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُحِطْ بِكُنْهِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ وَلَكِنْ كُلُّ وَاحِدٍ شَاهِدٌ بِقَدْرِ مَا رُفِعَ لَهُ مِنَ الْحِجَابِ ، وَلَا نِهَايَةَ لِجَمَالِ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَلَا لِحُجُبِهَا ، وَإِنَّمَا عَدَدُ حُجُبِهَا الَّتِي اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُسَمَّى نُورًا وَكَادَ يَظُنُّ الْوَاصِلُ إِلَيْهَا أَنَّهُ قَدْ تَمَّ وُصُولُهُ إِلَى الْأَصْلِ سَبْعُونَ حِجَابًا . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ مَا أَدْرَكَ بَصَرُهُ " ثُمَّ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْأَقْسَامِ وَالْأَصْنَافِ وَالْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ هُمُ الْمَحْجُوبُونَ بِمَحْضِ الْأَنْوَارِ أَصْنَافٌ لَا يُحْصَوْنَ، لَكِنْ أُشِيرَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ مِنْهُمْ: الْأَوَّلُ: طَائِفَةٌ عَرَفَتْ مَعَانِيَ الصِّفَاتِ تَحْقِيقًا، وَأَدْرَكُوا أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْوَةِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ كَإِطْلَاقِهَا عَلَى الْبَشَرِ، فَتَحَاشَوْا عَنْ تَعْرِيفِهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَعَرَّفُوهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَخْلُوقَاتِ . الثَّانِي: صِنْفٌ تَرَقَّوْا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ حَيْثُ ظَهَرَ لَهُمُ أَنَّ فِي السَّمَوَاتِ كَثْرَةٌ، وَأَنَّ مُحَرِّكَ كُلِّ سَمَاءٍ خَاصَّةٍ مَوْجُودٌ آخَرُ يُسَمَّى فَلَكًا، وَفِيهِمْ كَثْرَةٌ، وَإِنَّمَا نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ نِسْبَةُ الْكَوَاكِبِ فِي الْأَنْوَارِ الْمَحْسُومَةِ، ثُمَّ لَاحَ لَهُمْ أَنَّ هَذِهِ السَّمَوَاتِ فِي ضِمْنِ فَلَكٍ آخَرَ يَتَحَرَّكُ الْجَمِيعُ بِحَرَكَتِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً، وَالرَّبُّ هُوَ الْمُحَرِّكُ لِلْجِرْمِ الْأَقْصَى الْمُنْطَوِي عَلَى الْأَفْلَاكِ كُلِّهَا؛ إِذِ الْكَثْرَةُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ . الثَّالِثُ: صِنْفٌ تَرَقَّوْا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّ تَحْرِيكَ الْأَجْسَامِ بِطَرِيقِ الْمُبَاشِرَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِدْمَةً لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعِبَادَةً لَهُ وَطَاعَةً، مِنْ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ يُسَمَّى مَلَكًا، نِسْبَتُهُ إِلَى الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَحْضَةِ نِسْبَةُ الْقَمَرِ فِي الْأَنْوَارِ الْمَحْسُوسَةِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الْمُطَاعُ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُحَرِّكِ، وَيَكُونُ الرَّبُّ تَعَالَى مُحَرِّكًا بِطَرِيقِ الْأَمْرِ لَا بِطْرِيقِ الْمُبَاشِرَةِ . فَهَؤُلَاءِ أَصْنَافٌ، كُلُّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِالْأَنْوَارِ الْمَحْضَةِ، وَإِنَّمَا الْوَاصِلُونَ صِنْفٌ رَابِعٌ، تَجَلَّى لَهُمْ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْمُطَاعَ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ لَا تُنَافِي الْوَحْدَانِيَّةَ الْمَحْضَةَ وَالْكَمَالَ الْبَالِغَ، وَأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا الْمُطَاعِ إِلَى الْمَوْجُودَاتِ الْحِسِّيَّةِ نِسْبَةُ الشَّمْسِ فِي الْأَنْوَارِ الْمَحْسُوسَةِ مِنْهُ، فَتَوَجَّهُوا مَنِ الَّذِي يُحَرِّكُ السَّمَوَاتِ وَمَنِ الَّذِي أَمَرَ بِتَحْرِيكِهَا إِلَى الَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَفَطَرَ الْأَمْرَ بِتَحْرِيكِهَا، فَوَصَلُوا إِلَى مَوْجُودٍ مُنَزَّهٍ عَنْ كُلِّ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُ النَّاظِرِينَ وَبَصِيرَتُهُمْ؛ إِذْ وُجُودُهُ مِنْ قِبَلِهِ، فَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهُ الْأَوَّلِ الْأَعْلَى جَمِيعَ مَا أَدْرَكَهُ النَّاظِرُونَ وَبَصِيرَتُهُمْ؛ إِذْ وُجُودُهُ مُقَدَّسًا مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ مَا وَصَفْنَاهُ مِمَّا قَبْلُ . ثُمَّ هَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أُحْرِقَ مِنْهُ جَمِيعُ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ، وَانْمَحَقَ وَتَلَاشَى، لَكِنْ بَقِيَ هُوَ مُلَاحِظًا لِلْجَمَالِ وَالْقُدْسِ، وَمُلَاحِظًا ذَاتَهُ فِي جَمَالِهِ الَّذِي نَالَهُ بِالْوُصُولِ إِلَى الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَانْمَحَقَتْ مِنْهُ الْمُبْصَرَاتُ دُونَ الْمُبْصِرِ . وَجَاوَزَ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ خَوَاصُّ الْخَوَاصِّ، فَأَحْرَقَتْهُمْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ، وَغَشِيَهُمْ سُلْطَانُ الْجَلَالِ، وَتَلَاشَوْا فِي ذَاتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ لِحَاظٌ فِي أَنْفُسِهِمْ بِفَنَائِهِمْ عَنِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَاحِدُ الْحَقُّ، فَهَذِهِ نِهَايَةُ الْوَاصِلِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي التَّرَقِّي وَالْعُرُوجِ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَطُلْ عَلَيْهِ الْعُرُوجُ، فَسَبَقُوا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الْقُدْسِ، وَتَنْزِيهِ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْ كُلِّ مَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُمْ، فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ أَوَّلًا مَا غَلَبَ عَلَى الْآخَرِينَ آخِرًا، وَهَجَمَ عَلَيْهِمُ التَّجَلِّي دُفْعَةً، فَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ جَمِيعَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهُ بَصَرُ حَيٍّ أَوْ بَصِيرَةٌ عَقْلِيَّةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية