الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت انعقاد النذر بقصد بيت الله الحرام لم يخل حال منذره من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            [ ص: 469 ] أحدها : أن يريد قصده لحج أو عمرة ، فقد تعين نذره بما أراده من حج ، أو عمرة ، فإن أراد الحج لم تجزه العمرة ، ولو أراد العمرة لم يجزه الحج ، وإن قرن بين الحج والعمرة أجزأه القران عن إفراد كل واحد من الحج والعمرة .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يريد بقصد البيت الحرام أن لا يحج ولا يعتمر ففي النذر وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : باطل لاستثناء مقصوده ، ولا شيء عليه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنه صحيح لعود الاستثناء إلى الحكم ، دون العقد . فعلى هذا في الشرط وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه باطل ؛ لأنه ينافي حكم النذور ، وعليه أن يحرم بحج أو عمرة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن الشرط صحيح ، ولا يلزمه الإحرام بحج ولا عمرة لاتصال الشرط بالنذر ، فصار محمولا عليه ، فعلى هذا فيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يلزمه أن يضم إلى قصد البيت عبادة من طواف ، أو صلاة ، أو صيام ، أو اعتكاف ، ليصير القصد طاعة ، إذا اقترن بطاعة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يلزمه أن يقرن بالقصد طاعة ، لأن قصد البيت طاعة ومشاهدته قربة ، فلم يلزمه إلا ما التزم فصار في مجموع هذا التفصيل أربعة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : أن النذر باطل .

                                                                                                                                            والثاني : أنه صحيح ، والشرط باطل .

                                                                                                                                            والثالث : أن النذر والشرط صحيحان ، وعليه فعل عبادة .

                                                                                                                                            والرابع : أنهما صحيحان ، وليس عليه عبادة غير القصد .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يطلق نذره بقصد البيت الحرام ، ولا يقترن به إرادة ، فمذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه عليه أن يأتي فيه بحج أو عمرة ، ويكون إطلاق النذر معقودا بأحد النسكين من حج أو عمرة ، لأنه مقصود بهما شرعا ؛ فصار مقصودا بهما نذرا .

                                                                                                                                            وذهب أبو علي بن أبي هريرة : أنه مبني على اختلاف قولي الشافعي فيمن أراد دخول مكة من غير خطأ فيها ، هل يلزمه الإحرام لدخولها ؟ على قولين :

                                                                                                                                            [ ص: 470 ] أحدهما : يلزمه الإحرام بحج أو عمرة ، ولا يجوز أن يدخلها محلا ، فعلى هذا يصير إطلاق نذره بقصد البيت معقودا على حج أو عمرة .

                                                                                                                                            والقول الثاني لا يلزمه الإحرام ويجوز أن يدخلها محلا .

                                                                                                                                            قال أبو علي : فعلى هذا في انعقاد نذره بحج أو عمرة وجهان تخرجا من اختلاف قولي الشافعي فيمن نذر أن يمشي إلى المسجد الأقصى ، أو مسجد المدينة في لزوم نذره قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : يلزمه النذر كالمسجد الحرام ، وهو قصد لا يجب به إحرام ، وكذلك قصد المسجد الحرام لا يجب فيه إحرام ويكون النذر في جميعها مقصورا على مجرد القصد لاشتراكها في معنى الوجوب .

                                                                                                                                            والقول الثاني لا يلزمه النذر إلى المسجد الأقصى ، ومسجد المدينة ، وإن لزمه النذر إلى المسجد الحرام ، لوجوب قصد المسجد الحرام شرعا ، فوجب قصده نذرا ، ولم يجب قصد المسجد الأقصى ، ومسجد المدينة شرعا ، فلم يجب قصده نذرا ، فاقتضى افتراقهما في هذا التعليل المخالف بينهما في الوجوب أن يجب بقصد المسجد الحرام في النذر ما أوجب قصده بالشرع ، وهذا التخريج وإن كان محتملا فإنما يستعمل مع عدم النص ، وقد نص الشافعي على وجوب إحرامه في النذر بحج أو عمرة ؛ لأنه معهود النذر عرفا ، فلم يجز العدول عنه إلى تخريج ما يخالفه ، ويكون في هذا مخيرا بين الإحرام بحج أو عمرة ، وإن كان الحج أفضل من العمرة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية