الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " ولا يجوز على أقل من نجمين " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : أما الأجل فهو شرط في صحة الكتابة ، لا يجوز أن تعقد حالة .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة ومالك ليس الأجل بشرط في صحتها وتجوز حالة ومؤجلة استدلالا بقول الله تعالى : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ، ومن ذلك دليلان : أحدهما : عموم قوله " فكاتبوهم " ، ولم يفرق بين حال ومؤجل .

                                                                                                                                            والثانى : قوله : إن علمتم فيهم خيرا ( النور : 33 ) ، والخير المال فجعل العقد مشروطا به .

                                                                                                                                            قالوا : ولأنه عتق بعوض فاقتضى أن يجوز حالا ومؤجلا .

                                                                                                                                            كما لو باع عبده على نفسه بثمن حال أو مؤجل صح وعتق ، وكذلك الكتابة .

                                                                                                                                            [ ص: 147 ] قالوا : ولأنه عقد على عين فصح حالا ومؤجلا كالبيع .

                                                                                                                                            قالوا : ولأنه إسقاط حق ؛ لأن السيد قد أسقط بها حقه من كسب عبده فلم يفتقر إلى أجل كالإبراء .

                                                                                                                                            قالوا : ولأن دخول الأجل غرر ، فإذا صح العقد معه ، لزمكم على قولكم في السلم أن تجعلوه لخلوه من الأجل أصح ؛ لأن الشافعي يقول فيه : إذا جاز مؤجلا كان حالا أجوز ؛ لأنه من الغرر أبعد .

                                                                                                                                            ودليلنا : قول الله تعالى : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم إلى قوله : " فيهم خيرا " ، ( النور : 33 ) ، . فسماها كتابة وأفردها بهذا الاسم من غيرها من العقود . والعقد إذا أفرد باسم وجب أن يختص بمعنى ذلك الاسم ، كالسلم سمي سلما ، لوجوب تسليم جميع الثمن كذلك الكتابة سميت كتابة لوجوب الكتابة .

                                                                                                                                            والكتابة إنما ندبنا إليها في الحقوق المؤجلة دون المعجلة ألا تراه قال تعالى : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ( البقرة : 282 ) ، وقال في المعجلة : إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ، ( البقرة : 282 ) ، فدل اختصاص هذا العقد باسم الكتابة على اختصاصه بحكم التأجيل .

                                                                                                                                            وفي هذا انفصال عن الاستدلال بعموم الآية ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغرر .

                                                                                                                                            والغرر : ما تردد بين جوازين أخوفهما أغلبهما والكتابة الحالة غرر لأن الأغلب من أحوال المكاتب عجزه عنها فكان عقدها باطلا ويتحرر من اعتلال هذا الخبر قياس . فنقول : عقد معاوضة يتعذر فيه تسليم المعقود عليه وقت استحقاقه ، فوجب أن يكون باطلا كبيع العبد الآبق ، وكالسلم إلى أجل يتحقق عدمه فيه ولا يفسد بنكاح الصغيرة لأن تسليمها يستحق عند إمكان الاستمتاع بها . فإن قيل : هذا فاسد بالبيع على معسر يتعذر عليه تسليم الثمن ولا يوجب فساد البيع .

                                                                                                                                            قيل : إعساره في الظاهر لا يوجب إعساره في الباطن ، لجواز أن يملك ما لا يعلم وإعسار المكاتب في الظاهر والباطن ؛ لأنه لا يجوز أن يملك قبل كتابته ، فافترقا في تعيين الإعسار ، فلذلك افترقا في الجواز .

                                                                                                                                            فإن قيل : يفسد من وجه آخر وهو إذا كاتبه على مال كثير يؤديه في نجمين مقدرين بساعتين من يوم تتعذر منه القدرة عليه ، وتصح كتابته .

                                                                                                                                            وكذلك في المعجل قيل : يمكنه قبل استحقاق النجم أن يؤجر نفسه ثلاثين سنة بقدر كتابته ، ولا يمكنه ذلك في الحال المعجل فافترقا .

                                                                                                                                            [ ص: 148 ] فإن قيل : يفسد من وجه آخر وهو إذا باع عبده على نفسه بألف حالة صح ، وعتق وإن تعذر عليه دفع الثمن ، قيل : قد خرج فيه ابن أبي هريرة وجها محتملا : أن البيع يبطل لهذا المعنى ، فيكون الاعتراض به فاسدا .

                                                                                                                                            والظاهر من مذهب الشافعي جوازه ، وقد نص عليه في كتاب الإقرار فقال : ولو قال لعبده : بعتك نفسك بألف فجحده العبد عتق عليه ؛ لأنه مقر بالعتق مدع للثمن . قيل : مقصود هذا البيع العتق وقد حصل .

                                                                                                                                            فإن قيل : وكذلك الكتابة مقصودها العتق فوجب أن يصح .

                                                                                                                                            قيل : الفرق بينهما أن العتق في الكتابة يحصل بعد الأداء ، والعتق في البيع يحصل قبل الأداء ، فجاز أن تبطل الكتابة بتعذر الأداء وإن لم يبطل به البيع ، وفي هذا انفصال عن استدلالهم به . ولأن الأجل في الكتابة إجماع دل عليه فعل الصحابة رضي الله عنهم لأنهم كاتبوا عبيدهم مجمعين فيها على التأجيل ، ولم يعقدها أحد منهم حالة ، ولو جاز حلولها لتفرد بها بعضهم مع اختلاف الأغراض ، وغضب عثمان بن عفان رضي الله عنه على عبد له وأراد التضييق عليه . فقال : والله لأكاتبنك على نجمين فلو جازت حالة ، أو على أقل من نجمين لكان أحق بالتضييق عليه .

                                                                                                                                            فأما : الجواب عن قول الله تعالى : إن علمتم فيهم خيرا ، ( النور : 133 ) فإن الخير هو المال فهو أن الشافعي قد أبطل هذا التأويل من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن العبد لا ملك له على قول من لم يجعله مالكا ، ولا على قول من جعله مالكا ؛ لأن سيده أخذه منه .

                                                                                                                                            والثاني : أنه لو أراد المال لقال : إن علمتم لهم خيرا ؛ لأن المال يكون له ولا يكون فيه ، وإنما الذي فيه ما تأوله الشافعي من الاكتساب والأمانة ، ثم لو صح أن المراد به المال لما دل على جواز التعجيل ، ولكان بالتأجيل أحق حتى يجد المال .

                                                                                                                                            وأما قياسهم على البيع ، فالمعنى فيه وجود المقصود به في الحلول والتأجيل ، وكذلك استدلالهم بالإبراء ؛ لأن مقصوده لا يتعذر ، ولأن الإبراء لا يجوز تعليقه عندنا بأجل وإن دخل في الكتابة فافترقا .

                                                                                                                                            وأما السلم : فقد أجمعنا وهم على الفرق بين الكتابة والسلم لأنهم منعوا من حلول السلم وجوزوا حلول الكتابة ، ونحن منعنا من حلول الكتابة ، وجوزنا حلول السلم فصارا مفترقين على قولينا معا ، فلم يجز أن يستشهد بأحدهما على الآخر . ثم معنى الفرق بينهما عندنا أن الغرر ينتفي عن تعجيل السلم فجوزناه ، ويدخل في حلول الكتابة فأبطلناه .

                                                                                                                                            [ ص: 149 ]

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية