الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما السؤال فقد أفرده الشافعي ، وأجاب عليه ، وهو أنه إذا كان البيع باشتراط الولاء باطلا فلم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في اشتراطه مع فساده وحظره ، وهو لا يجوز أن يأذن في فاسد ولا محظور . فقد أجاب الشافعي عن هذا السؤال بجوابين ، وأجاب المزني عنه بجواب ثالث ، وأجاب أبو علي بن أبي هريرة بجواب رابع ، وأجاب أبو علي الظهري بجواب خامس ، وحكى أبو حامد الإسفراييني جوابا سادسا . فالجواب الأول للشافعي فهو أن قوله ( واشترطي لهم الولاء ) زيادة تفرد بها هشام بن عروة ، وقد روى هذا الحديث نافع عن ابن عمر عن عائشة رضي الله عنها فلم يروها ، فكان ترك الزيادة في هذا الموضع أولى من الأخذ بها لثلاثة أمور :

                                                                                                                                            أحدها : إنكار الرواة لها .

                                                                                                                                            والثاني : منع الشرع منها .

                                                                                                                                            والثالث : صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا يجوز مثل ذلك معها لمكانه من الله تعالى ، وأنه قد كان في حقه أشد ، وعلى أهله فيه أغلظ ، فلم يجز أن يأذن لهم في محظور عليهم وغرور لغيرهم ، فهذا جواب .

                                                                                                                                            [ ص: 251 ] والجواب الثاني للشافعي : مع إثبات الزيادة إن كان ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبب خاص دعت إليه حادثة خاصة ، وقد أطلق الشافعي ذلك ، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : أنه أذن به في وقت جوازه ثم ورد بعده نسخ ، فأظهر نسخه ففسخه كما أمر سهلة أن ترضع سالما خمس رضعات ، وكان كبيرا ، ثم نسخ رضاع الكبير ، وقال : الرضاعة من المجاعة .

                                                                                                                                            والثاني : أنهم في الجاهلية كانوا يتبايعون الولاء ويرونه مالا ، فغلظ الأمر فيه مع نهيه عن بيعه بأن أبطل عليهم بعد بيعه ، ولذلك غضب ، وصعد المنبر ، وخطب وقال : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟ قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق .

                                                                                                                                            والثالث : أنه لما نهاهم عن بيع الولاء وهبته ظنوا أن نهيه إنما توجه إلى إفراده بالبيع ، وأنه إذا كان مشروطا في بيع جائز صح ، فأحب أن يفسخه عليهم بعد شرطه ، ليكون الفسخ أوكد ، والنهي أغلظ ، كما أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الكبائر ، فلما أذن لهم فيها بقول الله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ( البقرة : 196 ) ، توقفوا ، فأذن لهم في الإحرام بالحج ، ثم فسخ عليهم إحرامهم بالحج ، وجعله عمرة ليكون تغليظا عليهم في إثبات أوامره ، فهذا جواب ثان .

                                                                                                                                            والجواب الثالث : وهو جواب المزني أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : واشترطي لهم الولاء بمعنى واشترطي عليهم الولاء ، لأنه من الألفاظ التي يقوم بعضها مقام بعض ، كما قال تعالى : لهم اللعنة ، ( الرعد : 25 ) ، بمعنى : عليهم اللعنة ، وقال تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ، ( الإسراء : 7 ) ، أي فعليها ، وقد رد أصحابنا عليه هذا الجواب من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن موضع الكلام أن يحمل على حقيقته دون مجازه إلا في موضع لا يمكن استعماله على الحقيقة ، فيعدل به إلى المجاز ، واستعمال الحقيقة هاهنا ممكن في نظم الكلام .

                                                                                                                                            والثاني : أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم مغضبا ، وقوله في خطبته : " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط . ، دليل على أن الشرط كان لهم ، فأبطله عليهم ، فهذا حكم الجواب الثالث .

                                                                                                                                            والجواب الرابع : وهو جواب أبي علي بن أبي هريرة أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : واشترطي لهم الولاء خارج منه مخرج الوعيد والتهديد ، لا مخرج الإذن والجواز ، كما قال [ ص: 252 ] تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ( الكهف : 29 ) وهذا إن كان ظاهر لفظه التخيير فهو وعيد وتهديد .

                                                                                                                                            والجواب الخامس : وهو قول أبي علي الطبري أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : " واشترطي لهم الولاء " . أي اشترطي لهم العتق ، فعبر عن العتق بالولاء لحدوثه عنه ، واستحقاقه به ، وهذا الجواب أيضا عدول عن الحقيقة إلى المجاز .

                                                                                                                                            والجواب السادس : وهو الذي حكاه أبو حامد أن اشتراط الولاء تقدم العقد ، لأنه كان وقت المساومة ، وهو إنما يلزم إذا اقترن بالعقد ، فلذلك بطل ، فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال حكمه ، وفي هذا الجواب ضعف ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطل الشرط لفساده ، ولم يبطله لأنه كان في غير محله ، ولو أراد ذلك لأزال الالتباس ، ولأبان الحكم المقصود .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية