الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " والذي أسلم النصراني على يديه ليس بمعتق فلا ولاء له " .

                                                                                                                                            [ ص: 84 ] في الولاء قال الماوردي : وهذا هو الثالث المختلف في استحقاق الولاء عليه ، وهو الكافر إذا أسلم على يد رجل لم يثبت عليه في قول الجمهور ولاء لمن أسلم على يديه ، سواء عقل عنه أو لم يعقل .

                                                                                                                                            وحكي عن حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة أن له ولاءه وله الرجوع فيه ما لم يعقل عنه ، فإن عقل عنه أو عن صغار ولده لم يكن له أن يرجع فيه .

                                                                                                                                            وحكي عن أبي يوسف إن اقترن بالإسلام على يده موالاة توارثا وإن لم يقترن به موالاة لم يتوارثا .

                                                                                                                                            وحكي عن عمر بن عبد العزيز والزهري أنه يرثه على الأحوال كلها احتجاجا بما رواه الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أسلم على يديه رجل فهو مولاه يرثه ويدي عنه .

                                                                                                                                            وبرواية عبد الله بن موهب عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري أنه قال : يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل ، فقال : هو أولى الناس بمحياه ومماته . قالوا : وحق الممات استحقاق الميراث .

                                                                                                                                            وروى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أسلم على يديه رجل فله ولاؤه " .

                                                                                                                                            قالوا : ولأن إنعامه عليه باستنقاذه من الكفر أعظم من إنعامه باستنقاذه من الرق ، فكان بولائه أحق .

                                                                                                                                            ودليل الجمهور على ألا ولاء عليه قول الله تعالى : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ( الأحزاب : 37 ) ، يعني زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام ، وأنعم الرسول صلى الله عليه وسلم عليه بالعتق ، فكانت النعمة بالإسلام لله تعالى دون غيره ، وفرق بين النعمة بالإسلام وبين النعمة بالعتق ، فلم تجز التسوية بينهما .

                                                                                                                                            وقال تعالى : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ( الحجرات : 17 ) فكانت الهداية منه تعالى دون غيره ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإنما الولاء لمن أعتق . وليس هذا بمعتق ، ولأن إسلامه من نفسه بما علم من صحته ، فلم يكن لمن أسلم على يده تأثير في معتقده ، ولأنه لو كان أخذ [ ص: 85 ] الإسلام على الكافر موجبا لثبوت ولائه عليه ، لكان طلحة والزبير من موالي أبي بكر لإسلامهما على يده ، ولكان المهاجرون والأنصار موالي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأولاده من بعده ، وهذا يخرج عن قول الأمة ، فكان مدفوعا بهم .

                                                                                                                                            وقد روى سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولاء لمن أعطى الثمن وولي النعمة ، وهذا تعليل لاستحقاق الولاء ، فلم يستحق بغيره ، ولأنه لو كان الولاء بأخذ الإسلام مستحقا لوجب إذا أعتق الرجل عبدا نصرانيا ، فأسلم على يد غير معتقه أن يبطل ولاء معتقه ، وإذا أسلم العبد النصراني على يد غير سيده ، ثم أعتقه السيد ألا يكون عليه ولاء لمعتقه ، وهذا مدفوع بالإجماع ، فبطل ما اقتضاه بالإجماع .

                                                                                                                                            وقد روى الأشعث بن سوار عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يباع ، فساوم به ثم تركه فاشتراه رجل فأعتقه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني اشتريت هذا فأعتقته ، فما ترى فيه ؟ قال : أخوك ومولاك . قال : فما ترى في صحبته ؟ قال : " إن شكرك فهو خير له وشر عليك ، وإن كفرك فهو خير لك وشر له ) ، قال : فما ترى في ماله ؟ قال : إن مات ، ولم يدع وارثا ، فلك ماله . فاعتبر ولاءه بعتقه دون إسلامه .

                                                                                                                                            وأما الجواب عما استدلوا به من الأخبار ، ففيها ثلاثة أجوبة :

                                                                                                                                            أحدها : أنها ضعيفة لا يثبت بها شرع ؛ لأن بعضها رواه مجهول ، وبعضها رواه متروك ، وبعضها مرسل .

                                                                                                                                            والثاني : أنها محمولة على ولاية الإسلام الموجبة للتناصر كما قال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، ( التوبة : 71 ) ، .

                                                                                                                                            والثالث : أننا نستعمل قوله : فهو مولاه . يريد أي هو ناصره ، وقد صار باتفاقهما في الإسلام وارثا بعد أن لم يكونا باختلاف الدين متوارثين .

                                                                                                                                            وقوله : أحق بمحياه ومماته : أنه أحق بمراعاته في محياه ، والممات .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن استدلالهم بإنعامه عليه بالإسلام ، فهو ما ذكر الله تعالى عليه بالإسلام أن النعمة فيه له لا لغيره ، والله أعلم بالصواب .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية