الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الماء الطاهر

[ ص: 8 ] كتاب الطهارة باب الماء الطاهر

1 - ( 1 ) - حديث : " البحر : هو الطهور ماؤه " مالك والشافعي عنه ، والأربعة ، وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود ، والحاكم والدارقطني والبيهقي ، وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي ، وتعقبه ابن عبد البر : بأنه لو كان صحيحا عنده لأخرجه في صحيحه ، وهذا مردود ; لأنه لم يلتزم الاستيعاب ، ثم حكم ابن عبد البر - مع ذلك - بصحته لتلقي العلماء له بالقبول ، فرده من حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى ، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه ، ورجح ابن منده صحته ، وصححه أيضا ابن المنذر وأبو محمد البغوي .

ومداره على صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة [ ص: 9 ] ، عن المغيرة بن أبي بردة ، عن أبي هريرة ، قال : { جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به ، عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته }. رواه عنه مالك وأبو أويس ، قال الشافعي : في إسناد هذا الحديث من لا أعرفه ، قال البيهقي : يحتمل أن يريد سعيد بن سلمة ، أو المغيرة أو كليهما .

قلت : لم ينفرد به سعيد ، عن المغيرة ، فقد رواه عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، إلا أنه اختلف عليه فيه ، والاضطراب منه ، فرواه ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن رجل من أهل المغرب ، يقال له : المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، أن ناسا من بني مدلج : أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ، وقيل : عنه عن المغيرة ، عن رجل من بني مدلج .

وقيل : عن يحيى ، عن المغيرة ، عن أبيه . وقيل : عن يحيى ، عن المغيرة بن عبد الله ، أو عبد الله بن المغيرة . وقيل : عن يحيى ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبيه ، عن رجل من بني مدلج ، اسمه عبد الله مرفوعا ، وقيل : عن يحيى ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبي بردة مرفوعا . وقيل : عن المغيرة ، عن عبد الله المدلجي ، ذكرها الدارقطني ، وقال : أشبهها بالصواب قول مالك ومن تابعه ، وقال ابن حبان : من قال فيه : عن المغيرة ، عن أبيه ، فقد وهم ، والصواب : عن المغيرة ، عن أبي هريرة .

وأما حال المغيرة : فقد روى الآجري عن أبي داود أنه قال : المغيرة بن أبي بردة معروف ، وقال ابن عبد البر : وجدت اسمه في مغازي موسى بن نصير ، وقال ابن عبد الحكم : اجتمع عليه أهل إفريقية أن يؤمروه بعد قتل يزيد بن أبي مسلم فأبى . انتهى ، ووثقه النسائي ، فعلم بهذا غلط من زعم أنه مجهول لا يعرف . [ ص: 10 ] وأما سعيد بن سلمة فقد تابع صفوان بن سليم على روايته له عنه الجلاح أبو كثير ، رواه عنه الليث بن سعد ، وعمرو بن الحارث ، وغيرهما ، ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي عنه ، وسياقه أتم ، قال : { كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فجاءه صياد فقال : يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد ، فيحمل أحدنا معه الإداوة ، وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا ، فربما وجده كذلك ، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه ، فلعله يحتلم أو يتوضأ ، فإن اغتسل أو توضأ بهذا الماء فلعل أحدنا يهلكه العطش ، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به أو نتوضأ به إذا خفنا ذلك ؟ فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اغتسلوا منه ، وتوضئوا به ، فإنه الطهور ماؤه ، الحل ميتته }قلت : ورواه عن مالك مختصرا للقصة : أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ، عن حماد بن خالد ، عن مالك بسنده ، عن أبي هريرة قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته }

وهذا أشبه بسياق صاحب الكتاب .

وفي الباب عن جابر بن عبد الله : { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته }. رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان ، والدارقطني والحاكم من طريق عبيد الله بن مقسم عنه ، قال أبو علي بن السكن : حديث جابر أصح ما روي [ ص: 11 ] في هذا الباب ، ورواه الطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم ، من حديث المعافى بن عمران ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، وإسناده حسن ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس .

ورواه الدارقطني والحاكم من حديث موسى بن سلمة ، عن ابن عباس ، قال : قال : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر ؟ فقال : ماء البحر طهور }" ورواته ثقات ، لكن صحح الدارقطني وقفه ، ورواه ابن ماجه من حديث يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن مسلم بن مخشي ، { عن ابن الفراسي ، قال : كنت أصيد وكانت لي قربة أجعل فيها ماء ، وإني توضأت بماء البحر ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته }قال الترمذي سألت محمدا عنه ، فقال : هذا مرسل ، لم يدرك ابن الفراسي النبي صلى الله عليه وسلم ، والفراسي له صحبة ، قلت : فعلى هذا كأنه سقط من الرواية : عن أبيه ، أو أن قوله : " ابن " زيادة ، فقد ذكر البخاري أن مسلم بن مخشي لم يدرك الفراسي نفسه ، وإنما يروي عن ابنه ، وأن الابن ليست له صحبة .

وقد رواه [ ص: 12 ] البيهقي من طريق شيخ شيخ ابن ماجه ، يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن مسلم بن مخشى أنه حدثه أن ابن الفراسي قال : كنت أصيد ، فهذا السياق مجود ، وهو على رأي البخاري مرسل ، وروى الدارقطني والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ميتة البحر حلال ، وماؤه طهور }. وهو من طريق المثنى ، عن عمرو ، والمثنى ضعيف ، ووقع في رواية الحاكم : الأوزاعي بدل المثنى ، وهو غير محفوظ ، ورواه الدارقطني والحاكم من حديث علي بن أبي طالب من طريق أهل البيت ، وفي إسناده من لا يعرف .

وروى الدارقطني من طريق عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة ، أنه سأل ابن عمر ، آكل ما طفا على الماء ؟ قال : إن طافيه ميتته . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { إن ماءه طهور ، وميتته حل }. ورواه الدارقطني من حديث أبي بكر الصديق . وفي إسناده عبد العزيز بن أبي ثابت وهو ضعيف ، وصحح الدارقطني وقفه ، وكذا ابن حبان في الضعفاء .

تنبيه : وقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطني ، أن اسم السائل عبد الله المدلجي ، وكذا ساقه ابن بشكوال بإسناده ، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد ، وتبعه أبو موسى ، فقال : عبد أبو زمعة البلوي ، الذي يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر ، قال ابن منيع : بلغني أن اسمه عبد ، وقيل : اسمه عبيد بالتصغير ، وقال السمعاني في الأنساب : اسمه العركي ، وغلط في ذلك ، وإنما العركي وصف له ، [ ص: 13 ] وهو ملاح السفينة ، قال أبو موسى : وأورده ابن منده فيمن اسمه عركي ، والعركي هو الملاح ، وليس هو اسما ، والله أعلم ، وقال الحميدي : قال الشافعي : هذا الحديث نصف علم الطهارة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث