الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أن لا يكثر فرحه بالولد الذكر

جزء التالي صفحة
السابق

الحادي عشر : في آداب الولادة وهي خمسة .

: الأول : أن لا يكثر فرحه بالذكر ، وحزنه بالأنثى فإنه لا يدري الخيرة في أيهما فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له أو يتمنى أن يكون بنتا ، بل السلامة منهن أكثر والثواب فيهن أجزل قال صلى الله عليه وسلم : من كان له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها ، وغذاها فأحسن غذاءها ، وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه ، كانت له ميمنة ، وميسرة من النار إلى الجنة .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من أحد يدرك ابنتين فيحسن إليهما ما صحبتاه إلا أدخلتاه الجنة .

وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كانت له ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين .

وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج إلى سوق من أسواق المسلمين فاشترى شيئا فحمله إلى بيته ، فخص به الإناث دون الذكور ، نظر الله إليه ومن نظر الله إليه لم يعذبه .

وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حمل طرفة من السوق إلى عياله ، فكأنما حمل إليهم صدقة ، حتى يضعها فيهم ، وليبدأ بالإناث قبل الذكور ، فإنه من فرح أنثى فكأنما بكى من خشية الله ، ومن بكى من خشيته حرم الله بدنه على النار .

وقال أبو هريرة : قال صلى الله عليه وسلم : من كانت له ثلاث بنات ، أو أخوات ، فصبر على لأوائهن وضرائهن أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن ، فقال رجل وثنتان : يا رسول الله ؟ قال: وثنتان، فقال رجل : أو واحدة فقال: وواحدة .

؟ :

التالي السابق


(الحادي عشر: في الولادة) : ولنقدم أولا ما يتعلق بها، وبتدبير المولود كما يولد إلى أن ينهض .

*اعلم أن المولود إذا ولد في سبعة أشهر، يكون صحيح البدن، قويا، وإذا ولد في ثمانية أشهر فإما أن يموت سريعا، أو يولد ميتا، وسبب ذلك: أن النطفة تصير جنينا في مدة قريبة من أربعين يوما، فإن أسرع صار في خمسة وثلاثين يوما، وإن أبطأ ففي خمسة وأربعين يوما، يصير جنينا في خمسة وثلاثين يوما، يتحرك بعد سبعين جنينا، وما يصير جنينا في خمسة وأربعين يتحرك بعد تسعين، وكيفما كان فهذه الحركة ضعف مدة صيرورته جنينا، فإذا صار مدة ثلاثة أمثال هذه الحركة يكون وقت الولادة، فما يتحرك في سبعين يولد بعد مائتين وعشرة أيام، وهي سبعة أشهر، وما يتحرك في تسعين ففي تسعة أشهر، فأما ما يولد في ثمانية أشهر، فإن كانت حركته في سبعين فكان ينبغي أن يولد في سبعة أشهر، فتأخره شهرا آخر إنما يكون لآفة، وإن كان قد تحرك في تسعين فكان ينبغي أن يولد في تسعة أشهر، فتعجيله شهرا يكون لآفة .

وإذا ولد المولود يجب أن يبدأ أول شيء قطع سره فوق أربع أصابع; لئلا تتعفن، فيصل ضرره للصبي، ويربط بصوفة مفتولة، ويضع [ ص: 385 ] على موضع الربط خرقة مغموسة في الزيث، ويبادر إلى تمليح بدنه; لتصلب بشرته، ويقوى جلده، فإن كان ذكرا فيكثر، ولا يملح أنفه، ولا فمه، ثم يغسل بماء فاتر، وينقى منخريه بأصابع مقلمة الأظفار، ويقطر في عينيه شيئا من زيت الادهان، ويدغر في دبره; لينفتح للتبرز، وإذا قطع غمرت أعضاؤه بالرفق، ويشكل كل عضو على أحسن شكله، ويديم مسح عينيه بشيء كالحرير، وتغمر مثانته; ليسهل انفصال البول عنها، ثم يعمم، أو يقلنس، وينوم في بيت معتدل قريب إلى الظل، والظلمة، ماهد، ويغطى المهد بالخرق الإسمانجونية، وينبغي أن يتفقد في نومه، ويقظته، فإذا وجد فيه اضطراب، من أذى، من قمل، أو بق، أو غير ذلك، فيزيله، فإن لم يسكت وصار يبكي فذلك إما لوجع يناله، أو حر، أو برد، أو جوع، فالواجب أن يبادر إلى دفعه .

وأما الرضاع: فيجب أن يرضع ما أمكن بلبن أمه، فإنه أشبه بالأغذية بجوهر ما سلف من غذائه وهو في الرحم، أعني: طمث أمه، فإنه بعينه هو المستحيل لبنا، لاشتراك الرحم والثدي في الوريد الغاذي طعما، ووجه الحمل بتوجه دم الطمث بالكلية إلى الرحم لغذاء الجنين، وبعد انفصاله إلى الثديين لغذائه أيضا، وهو أقبل لذلك، وآلف، حتى أنه صح بالتجربة، أن في إلقامه حلمة أمه عظيم النفع جدا، في دفع ما يؤذيه; لأنه يلهيه، ويشغله عما يؤذيه، ويجب أن يراعى في تغذيته بلبن أمه: بأن يكون بين كل مرة، ومرة، زمان ما ينهضم الغذاء الأول، قبل انحدار الثاني، والأجود: أن يلعق العسل أولا، ثم يرضع; لجلاء المعدة .

*ومما يجب أن يلزم الطفل: شيئيين نافعين لتقوية مزاجه:

أحدهما: التحريك اللطيف .

والآخر: التلحيس الذي جرت به العادة لتنويم الأطفال، وفائدة التحريك: تحلل الأخلاط، وانتعاش الحرارة الغريزية، وفائدة التلحيس: تفريج النفس، وبسطها، وإن منع مانع عن إرضاع أمه، من ضعفها، أو فساد لبنها، أو ميلها إلى الترفه، فالمرضعة الشابة، الصحيحة البدن، المعتدلة بين السمن والهزال، الحسنة الأخلاق .

وينبغي أن لا تجامع البتة، فإن ذلك يحرك منها دم الطمث، فيفسد رائحة اللبن، وربما حبلت، وكان من ذلك ضرر على الولدين جميعا، أما المرتضع: فلانصراف اللطيف إلى غذاء الجنين، وأما الجنين: فلقلة ما يأتيه من الغذاء; لاحتياج الآخر إلى اللبن .

وإذا اشتهى الطفل غير اللبن، أعطي بتدريج، ولم يشدد عليه، ثم إذا فطم نقل إلى ما هو خفيف من الأغذية، ويكون الفطام بتدريج، ويشغل ببلاليط متخذة من الخبز والسكر، فإن ألح على الثدي فليطل المر عليه .

والمدة الطبيعية للرضاع سنتان; لأنها مدة ثبات أكثر أسنانه، وتصلب أعضائه، وإذا كملت الأنياب تعاطى مؤاكلة صلب المضغ، والغرض المقدم في معالجة أمراضهم، هو تدبير المرضعة، فيستغنى عن مداواتهم بمداواتها .

فإذا انتقلوا إلى سن الصبا فتراعى أخلاقهم، من حدوث غضب، أو خوف شديد، أو غم، فيقرب إليه ما يحبه، وينحى عنه ما يكرهه، فإذا انتبه من نومه يخلى بينه وبين اللعب ساعة، ثم يطعم، ثم يخلى بينه وبين اللعب الأطول، ويجنبون عن شرب الماء على الطعام .

وإذا أتى عليه ست سنين فيقدم إلى المؤدب، والمعلم، ولكن بتدريج، ولا يحمل على ملازمة المكتب مرة واحدة، فهذا هو المنهج في تدريبهم، وبعد هذا فتدريبهم تدريب الإنماء، وحفظ الصحة .

قال المصنف رحمه الله تعالى: (آداب الولادة أربعة:

الأول: أن لا يكثر فرحه بالولد الذكر، وحزنه بالأنثى) كما كان أهل الجاهلية على ذلك، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به (فإنه لا يدري أن الخيرة له في أيهما) الذكر، أو الأنثى (وكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له) ولا يوجد; لسوء أخلاقه، وحمله على المكاره، والأتعاب، وتشويه عرضه (أو يكون) المولود (بنتا، بل السلامة منهن أكثر) ; للزومهن الحجاب (والثواب فيهن أجزل) وأوفر، في مقابلة مكابدته، وصبره على تربيتهن (قال -صلى الله عليه وسلم-: من كانت له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها، وغذاها فأحسن غذاءها، وأسبغ عليها النعمة التي أسبغ الله عليه، كانت له مأمنة، وميسرة من النار إلى الجنة) . قال العراقي: رواه الطبراني في الكبير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، من حديث ابن مسعود بسند ضعيف، اهـ. قلت: وفي رواية: فأدبها وأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه، كانت له منعة، وسترا من النار. (وقال ابن عباس رضي الله عنه: [ ص: 386 ] ما من أحد يدرك ابنتين فيحسن إليهما ما صحبتاه إلا أدخلتاه الجنة) قال العراقي: رواه ابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، اهـ. قلت: ولفظ الطبراني في الكبير: ما من أحد ترك له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه وصحبهما إلا أدخلتاه الجنة. (وقال أنس) بن مالك رضي الله عنه: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من كانت له ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين) . قال العراقي: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف، ورواه الترمذي بلفظ: من عال جاريتين. وقال: حديث حسن غريب. اهـ. قلت: ولفظ الترمذي: من عال جاريتين حتى يدركا دخلت أنا وهو في الجنة كهاتين. ورواه كذلك ابن ماجه، وابن عوانة، ورواه ابن حبان، عن ثابت، عن أنس، بلفظ: من عال ابنتين أو أختين أو ثلاثا حتى يئسن، أو يموت عنهن، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين. وكذلك رواه عبد بن حميد، وعند الإمام أحمد، من حديث ابن عباس: من كان له ابنتان فأحسن صحبتهما دخل بينهما الجنة.

(وقال أنس) رضي الله عنه: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من خرج إلى سوق من أسواق المسلمين فاشترى شيئا) أي: من مأكول، أو ملبوس (فحمله إلى بيته، فخص به الإناث دون الذكور، نظر الله إليه) أي: بعين رحمته (ومن نظر الله إليه) كذلك (لم يعذبه) . قال العراقي: رواه الخرائطي بسند ضعيف .

(وقال أنس) رضي الله عنه: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من حمل طرفة من السوق إلى عياله، فكأنما حمل إليهم صدقة، حتى يضعها فيهم، وليبدأ بالإناث دون الذكور، فإنه من فرح أنثى فكأنما بكى من خشية الله، ومن بكى من خشية الله حرم الله بدنه على النار) . قال العراقي: رواه الخرائطي بسند ضعيف جدا، وابن عدي في الكامل، قال ابن الجوزي: حديث موضوع .

(وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من كان له ثلاث بنات، أو أخوات، فصبر على لأوائهن وضرائهن) أي: شدتهن، ومكابدتهن (أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: و) إذا كن (ثنتين يا رسول الله؟ قال: وثنتين، وقال رجل: أو واحدة؟ قال: أو واحدة) . قال العراقي: رواه الخرائطي، واللفظ له، والحاكم، ولم يقل: أو أخوات. وقال: صحيح الإسناد. اهـ. قلت: وعند الخرائطي زيادة: وسرائهن، بعد، ضرائهن. ويروى بمعناه من حديث أبي سعيد بلفظ: من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن، فله الجنة. رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان، والضياء، وروى الحاكم في الكنى، من حديث أبي عرس، بسند فيه مجهول، وضعيف، بلفظ: من كانت له ثلاث بنات، فصبر عليهن، وسقاهن، وأطعمهن، وكساهن، كن له حجابا من النار. وفي حديث أنس: من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فاتقى الله، وقام عليهن، كان معي في الجنة هكذا، وأشار بأصابعه الأربع. رواه أحمد، وأبو يعلى، وأبو الشيخ، والخرائطي في مكارم الأخلاق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث