الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصيد للمحرم

جزء التالي صفحة
السابق

باب الصيد للمحرم قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد قيل في موضع ( من ) هاهنا إنها للتبعيض ، بأن يكون المراد صيد البر دون صيد البحر وصيد الإحرام دون صيد الإحلال . وقيل إنها للتمييز ، كقوله تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقولك " باب من حديد " و " ثوب من قطن " . وجائز أن يريد ما يكون من أجزاء الصيد وإن لم يكن صيدا ، كالبيض والفرخ ؛ لأن البيض من الصيد ، وكذلك الفرخ والريش وسائر أجزائه ؛ فتكون الآية شاملة لجميع هذه المعاني ، ويكون المحرم بعض الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال الإحرام ، ويفيد أيضا تحريم ما كان من أجزاء الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ والوبر وغيره . وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى : تناله أيديكم قال : ( فراخ الطير وصغار الوحش ) . وقال مجاهد : ( الفراخ والبيض ) .

وقد روي عن علي رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أعرابي بخمس بيضات فقال : إنا محرمون وإنا لا نأكل ؛ فلم يقبلها .

وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه المحرم بقيمته . وروي عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي موسى في بيض النعامة يصيبه المحرم : ( أن عليه قيمته ) . ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ذلك . وقوله تعالى : ورماحكم قال ابن عباس : ( كبار الصيد ) . قوله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم [ ص: 130 ] قيل فيه ثلاثة أوجه كلها محتمل :

أحدها : محرمون بحج أو عمرة . والثاني دخول الحرم ، يقال أحرم الرجل إذا دخل الحرم ، كما يقال أنجد إذا أتى نجدا ، وأعرق إذا أتى العراق ، وأتهم إذا أتى تهامة . والثالث : الدخول في الشهر الحرام ، كما قال الشاعر

قتل الخليفة محرما

يعني في الشهر الحرام ، وهو يريد عثمان بن عفان رضي الله عنه .

ولا خلاف أن الوجه الثالث غير مراد بهذه الآية ، وأن الشهر الحرام لا يحظر الصيد ، والوجهان الأولان مرادان . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد الحرم للحلال والمحرم ، فدل أنه مراد بالآية ؛ لأنه متى ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ينتظمه لفظ القرآن فالواجب أن يحكم بأنه صدر عن الكتاب غير مبتدأ . وقوله عز وجل : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم يقتضي عمومه صيد البر والبحر لولا ما خصه بقوله : أحل لكم صيد البحر وطعامه فثبت أن المراد بقوله : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم صيد البر خاصة دون صيد البحر . وقد دل قوله : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم أن كل ما يقتله المحرم من الصيد فهو غير ذكي ؛ لأن الله تعالى سماه قتلا ، والمقتول لا يجوز أكله وإنما يجوز أكل المذبوح على شرائط الذكاة ، وما ذكي من الحيوان لا يسمى مقتولا ؛ لأن كونه مقتولا يفيد أنه غير مذكى . وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم قد دل على أن هذه الخمسة ليست مما يؤكل لأنه مقتول غير مذكى ، ولو كان مذكى كانت إفاتة روحه لا تكون قتلا ولم يكن يسمى بذلك . وكذلك قال أصحابنا فيمن قال : ( لله علي ذبح شاة ) إن عليه أن يذبح ، ولو قال : ( لله علي قتل شاة ) لم يلزمه شيء .

وكذلك قال أصحابنا فيمن قال : ( لله علي ذبح ولدي أو نحره ) فعليه شاة ، ولو قال : ( لله علي قتل ولدي ) لم يلزمه شيء ؛ لأن اسم الذبح متعلق بحكم الشرع في الإباحة والقربة ، وليس كذلك القتل . وروي عن سعيد بن المسيب في قوله : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم قال : ( قتله حرام في هذه الآية وأكله حرام في هذه الآية ) يعني أكل ما قتله المحرم منه .

وروى أشعث عن الحسن قال : ( كل صيد يجب فيه الجزاء فذلك الصيد ميتة لا يحل أكله ) ؛ وروى عنه يونس أيضا أنه لا يؤكل .

وروى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن في الصيد يذبحه المحرم قال : ( يأكله الحلال ) . وعن عطاء : ( إذا أصاب المحرم الصيد لا يأكله الحلال ) . وقال الحكم وعمرو بن دينار : ( يأكله الحلال ) . وهو قول سفيان . وقد ذكرنا [ ص: 131 ] دلالة الآية على تحريم ما أصابه المحرم من الصيد وأنه لا يكون مذكى ؛ ويدل على أن تحريمه عليه من طريق الدين على أنه حق الله تعالى فأشبه صيد المجوسي والوثني وما ترك فيه التسمية أو شيء من شرائط الذكاة ، ليس بمنزلة الذبح بسكين مغصوب ؛ لأن تحريمه تعلق بحق آدمي ، ألا ترى أنه لو أباحه جاز فلم يمنع صحة الذكاة ؟ إذ كانت الذكاة حقا لله تعالى ، فشروطها ما كان حقا لله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث