الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومما يدل على أن الغموس لا كفارة فيها قوله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة ، فلو أوجبنا فيها الكفارة كان زيادة في النص وذلك غير جائز إلا بنص مثله . وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من حلف على يمين وهو فيها آثم فاجر ليقطع بها [ ص: 113 ] مالا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار .

فذكر النبي صلى الله عليه وسلم المأثم ولم يذكر الكفارة ، فدل على أن الكفارة غير واجبة من وجهين :

أحدهما : أنه لا تجوز الزيادة في النص إلا بمثله ، والثاني : أنها لو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها في اليمين المعقودة في قوله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير منها وليكفر عن يمينه رواه عبد الرحمن بن سمرة وأبو هريرة وغيرهما . ومما يدل على نفي الكفارة في اليمين على الماضي قوله تعالى في نسق التلاوة : واحفظوا أيمانكم وحفظها مراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث فيها ، ومعلوم امتناع حفظ اليمين على الماضي لوقوعها على وجه واحد لا يصح فيها المراعاة والحفظ .

فإن قال قائل : قوله تعالى : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم يقتضي عمومه إيجاب الكفارة في سائر الأيمان إلا ما خصه الدليل .

قيل له : ليس كذلك ؛ لأنه معلوم أنه قد أراد به اليمين المعقودة على المستقبل ، فلا محالة أن فيه ضميرا يتعلق به وجوب الكفارة وهو الحنث ؛ وإذا ثبت أن في الآية ضميرا سقط الاحتجاج بظاهرها لأنه لا خلاف أن اليمين المعقودة لا تجب بها كفارة قبل الحنث ، فثبت أن في الآية ضميرا فلم يجز اعتبار عمومها ؛ إذ كان حكمها متعلقا بضمير غير مذكور فيها وأيضا قوله تعالى : واحفظوا أيمانكم يقتضي أن يكون جميع ما تجب فيه الكفارة من الأيمان هي التي ألزمنا حفظها ، وذلك إنما هو في اليمين المعقودة التي تمكن مراعاتها وحفظها لأداء كفارتها ، واليمين على الماضي لا يقع فيها حنث فينتظمها اللفظ ، ألا ترى أنه لا يصح دخول الاستثناء عليها فتقول : " كان أمس الجمعة إن شاء الله " و " والله لقد كان أمس الجمعة " إذا كان الحنث وجود معنى بعد اليمين بخلاف ما عقد عليه ويدل على أن الكفارة إنما تتعلق بالحنث في اليمين بعد العقد أنه لو قال : " والله " كان ذلك قسما ولم تلزمه كفارة بوجود هذا القول لأنه لم يتعلق به حنث .

وقد قرئ قوله تعالى : بما عقدتم على ثلاثة أوجه : عقدتم بالتشديد قرأه جماعة ، و " عقدتم " خفيفة ، و " عاقدتم " فقوله تعالى : عقدتم بالتشديد كان أبو الحسن يقول : لا يحتمل إلا عقد قول ، و " عقدتم " بالتخفيف يحتمل عقد القلب وهو العزيمة والقصد إلى القول ، ويحتمل عقد اليمين قولا ؛ ومتى احتمل إحدى القراءتين القول واعتقاد القلب ولم يحتمل الأخرى إلا عقد اليمين قولا ، وجب حمل ما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجها واحدا ، فيحصل المعنى من [ ص: 114 ] القراءتين عقد اليمين قولا ، ويكون حكم إيجاب الكفارة مقصورا على هذا الضرب من الأيمان وهو أن تكون معقودة ولا تجب في اليمين على الماضي لأنها غير معقودة وإنما هو خبر عن ماض والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء كان صدقا أو كذبا .

فإن قال قائل : إذا كان قوله تعالى : " عقدتم " بالتخفيف يحتمل اعتقاد القلب ويحتمل عقد اليمين ، فهلا حملته على المعنيين ؛ إذ ليسا متنافيين وكذلك قوله تعالى : بما عقدتم بالتشديد محمول على عقد اليمين فلا ينفي ذلك استعمال اللفظ في القصد إلى اليمين فيكون عموما في سائر الأيمان قيل له : لو سلم لك ما ادعيت من الاحتمال لما جاز استعماله فيما ذكرت ولكانت دلالة الإجماع مانعة من حمله على ما وصفت وذلك أنه لا خلاف أن القصد إلى اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة وأن حكم إيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان التي يتعلق به وجوب الكفارة ، فبطل بذلك تأويل من تأول اللفظ على قصد القلب في حكم الكفارة .

وثبت أن المراد بالقراءتين جميعا في إيجاب الكفارة هو اليمين المعقودة على المستقبل فإن قال قائل : قوله : عقدتم بالتشديد يقتضي التكرار ، والمؤاخذة تلزم من غير تكرار ، فما وجه اللفظ المقتضي للتكرار مع وجوب الكفارة في وجودها على غير وجه التكرار ؟ قيل له : قد يكون تعقيد اليمين بأن يعقدها في قلبه ولفظه ، ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا ؛ إذ هو كالتعظيم الذي يكون تارة بتكرير الفعل والتضعيف وتارة بعظم المنزلة ؛ وأيضا فإن في قراءة التشديد إفادة حكم ليس في غيره ، وهو أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة ، وكذلك قال أصحابنا فيمن حلف على شيء ثم حلف عليه في ذلك المجلس أو غيره وأراد به التكرار : لا يلزمه إلا كفارة واحدة .

فإن قيل : قوله : بما عقدتم بالتخفيف يفيد أيضا إيجاب الكفارة باليمين الواحدة . قيل له : القراءتان والتكرار جميعا مستعملتان على ما وصفنا ، ولكل واحدة منهما فائدة مجددة .

التالي السابق


الخدمات العلمية