الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل طلاق الحائض

ولست أقول : الجمع حرام لكنه ، مكروه بهذه ; المعاني وأعني بالكراهة : تركه النظر لنفسه .

التالي السابق


قال الحافظ في الفتح: ثم قال المصنف: (ولست أقول: الجمع حرام، ولكنه مكروه; لهذه المعاني) المذكورة، آنفا (وأعني بالكراهة: تركه) الأولى والأفضل (النظر لنفسه) قد عقد البخاري في الصحيح لهذه المسألة بابا فقال: من أجاز طلاق الثلاث، أي: دفعة واحدة، أو مفرقا، لقوله تعالى: الطلاق مرتان ، أي: تطليقة بعد تطليقة، على التفريق، دون الجمع، فإمساك بمعروف، أي: برجعة، أو تسريح بإحسان، وهذا عام، يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، وقد دلت الآية على ذلك، من غير نكير، خلافا لمن لم يجز ذلك، بحديث: أبغض الحلال إلى الله الطلاق.

وعند سعيد بن منصور، بسند صحيح: أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا، أوجع ظهره. وقال الشيعة، وبعض أهل الظاهر: لا يقع عليه إذا أوقعه دفعة واحدة; قالوا: لأنه خالف السنة، فيرد إلى السنة .

وفي الإشراف لابن المنذر، عن بعض المبتدعة: أنه إنما يلزم بالثلاث، إذا كانت مجموعة واحدة، وهو قول محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، وحجاج بن أرطاة، وتمسكوا في ذلك بحديث ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد، فقال [ ص: 398 ] النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنما تلك واحدة، فارتجعها. رواه أحمد، وأبو يعلى، وصححه بعضهم. وأجيب: بأن ابن إسحاق، وشيخه، مختلف فيه، مع معارضته بفتوى ابن عباس، بوقوع الثلاث، كما سيأتي، وبأنه مذهب شاذ، فلا يعمل به; إذ هو منكر، والأصح ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه: أن ركانة طلق زوجته ألبتة، فحلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ما أراد إلا واحدة، فردها إليه، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان. قال أبو داود: هذا أصح .

وعورض بأنه نقل عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، كما نقله ابن مغيث، في كتاب الوثائق له، ونقله ابن المنذر، عن أصحاب ابن عباس: كعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار. بل في مسلم، من طريق عبد الرزاق، عن معمر بن عبد الله بن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.

وقال الشيخ خليل من أئمة المالكية في توضيحه: وحكى التلمساني عندنا قولا بأنه إذا وقع الثلاث في كلمة، إنما يلزمه واحدة، وذكر أنه في النوادر قال: ولم أره، اهـ .

والجمهور على وقوع الثلاث، فعند أبي داود، بسند صحيح، من طريق ابن مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت، حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، إن الله تعالى، قال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، وأنت لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وقد روي عن ابن عباس، من غير طريق: أنه أفتى بلزوم الثلاث، لمن أوقعها مجتمعة.

وفي الموطإ بلاغا، قال: ابن عباس، إني طلقت امرأتي مائة طلقة، فماذا ترى؟ فقال ابن عباس: طلقت منك ثلاثا، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا. وقد أجيب عن قوله: كان طلاق الثلاث واحدة، بأن الناس كانوا في زمنه -صلى الله عليه وسلم-، يطلقون واحدة، فلما كانوا في زمان عمر، كانوا يطلقون ثلاثا. ومحصله: أن المعنى أن الطلاق الموقع في زمن عمر ثلاثا، كان يوقع قبل ذلك واحدة منهم; لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا، وكانوا يستعملونها نادرا، وأما في زمن عمر: فكثر استعمالهم لها، وأما قوله: فأمضاه عليهم. فمعناه: أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق، ما كان يصنع قبله، اهـ .

وقال الكمال بن الهمام: تأويله أن قول الرجل: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كان واحدة في الزمن الأول; لقصدهم التأكيد في ذلك الزمان، ثم صاروا يقصدون التجديد، فألزمهم عمر ذلك; لعلمه بقصدهم. قال: وما قيل في تأويله: أن الثلاث التي يوقعونها الآن، إنما كانت في الزمن الأول واحدة، تنبيه على تغير الزمان، ومخالفة السنة، فيشكل، إذ لا يتجه حينئذ قوله: فأمضاه عمر.

واختلفوا مع الاتفاق على الوقوع ثلاثا، هل يكره، أو يحرم، أو يباح، أو يكون بدعيا أو لا؟ فقال الشافعي: يجوز جمعها ولو دفعة. وقال اللخمي من المالكية: إيقاع الاثنين مكروه، والثلاث ممنوع; لقوله تعالى: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، أي: من الرغبة، والمراجعة، والندم على الفراق، ولنا قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ، إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ، وهذا يقتضي الإباحة. وطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حفصة، وكان الصحابة يطلقون من غير نكير، حتى روي: أن المغيرة بن شعبة، كان له أربع نسوة فأقامهن بين يديه صفا، فقال: أنتن حسنات الأخلاق، ناعمات الأرواق، طويلات الأعناق، اذهبن فأنتن الطلاق، وكل هذا يدل على الإباحة، نعم الأفضل عند الشافعية: أن لا يطلق أكثر من واحدة; ليخرج من الخلاف. وقال الحنفية: يكون بدعيا إذا أوقعه بكلمة; لحديث ابن عمر، عند الدارقطني، قلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقها ثلاثا؟ قال: إذا قد عصيت ربك، وبانت منك امرأتك; ولأن الطلاق إنما جعل متعددا ليمكنه التدارك عند الندم، فلا يحل له تفويته. وفي حديث محمود بن لبيد، عند النسائي، بسند رجاله ثقات، قال: أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث