الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          [ جدب ]

                                                          جدب : الجدب : المحل نقيض الخصب . وفي حديث الاستسقاء : هلكت المواشي وأجدبت البلاد أي : قحطت ، وغلت الأسعار . فأما قول الراجز ، أنشده سيبويه :


                                                          لقد خشيت أن أرى جدبا في عامنا ذا بعدما أخصبا



                                                          فإنه أراد جدبا فحرك الدال بحركة الباء وحذف الألف على حد قولك : رأيت زيد ، في الوقف . قال ابن جني : القول فيه أنه ثقل الباء ، كما ثقل اللام في عيهل في قوله :


                                                          ببازل وجناء أو عيهل



                                                          فلم يمكنه ذلك حتى حرك الدال لما كانت ساكنة لا يقع بعدها المشدد ، ثم أطلق كإطلاقه عيهل ونحوها . ويروى أيضا جدببا ، وذلك أنه أراد تثقيل الباء ، والدال قبلها ساكنة فلم يمكنه ذلك ، وكره أيضا تحريك الدال ؛ لأن في ذلك انتقاض الصيغة ، فأقرها على سكونها ، وزاد بعد الباء باء أخرى مضعفة لإقامة الوزن . فإن قلت : فهل تجد في قوله جدببا حجة للنحويين على أبي عثمان في امتناعه مما أجازوه بينهم من بنائهم مثل فرزدق من ضرب ، ونحوه ضربب ، واحتجاجه في ذلك ؛ لأنه لم يجد في الكلام ثلاث لامات مترادفة على الاتفاق ، وقد قالوا جدببا كما ترى ، فجمع الراجز بين ثلاث لامات متفقة ؛ فالجواب أنه لا حجة على أبي عثمان للنحويين في هذا من قبل أن هذا شيء عرض في الوقف ، والوصل مزيله . وما كانت هذه حاله لم يحفل به ، ولم يتخذ أصلا يقاس عليه غيره . ألا ترى إلى إجماعهم على أنه ليس في الكلام اسم آخره واو قبلها حركة ثم لا يفسد ذلك بقول بعضهم في الوقف : هذه أفعو ، وهو الكلو ، من حيث كان هذا بدلا جاء به الوقف ، وليس ثابتا في الوصل الذي عليه المعتمد والعمل ، وإنما هذه الباء المشددة في جدببا زائدة للوقف ، وغير ضرورة الشعر ، ومثلها قول جندل :


                                                          جارية ليست من الوخشن     لا تلبس المنطق بالمتنن
                                                          إلا ببت واحد بتن     كأن مجرى دمعها المستن
                                                          قطننة من أجود القطنن



                                                          فكما زاد هذه النونات ضرورة كذلك زاد الباء في جدببا ضرورة ، ولا اعتداد في الموضعين جميعا بهذا الحرف المضاعف . قال : وعلى هذا أيضا عندي ما أنشده ابن الأعرابي من قول الراجز :


                                                          لكن رعين القنع حيث ادهمما



                                                          أراد : ادهم فزاد ميما أخرى . قال ، وقال لي أبو علي في جدببا : إنه بنى منه فعلل مثل قردد ، ثم زاد الباء الأخيرة كزيادة الميم في الأضخما . قال : وكما لا حجة على أبي عثمان في قول الراجز جدببا ، كذلك لا حجة للنحويين على الأخفش في قوله : إنه يبنى من ضرب مثل اطمأن فتقول : اضربب . وقولهم هم اضربب ، بسكون اللام الأولى بقول الراجز حيث ادهمما بسكون الميم الأولى ؛ لأن له أن يقول إن هذا إنما جاء لضرورة القافية ، فزاد على ادهم ، وقد تراه ساكن الميم الأولى ، ميما ثالثة لإقامة الوزن ، وكما لا حجة لهم عليه في هذا كذلك لا حجة له عليهم أيضا في قول الآخر :


                                                          إن شكلي وإن شكلك شتى     فالزمي الخص واخفضي تبيضضي



                                                          بتسكين اللام الوسطى ؛ لأن هذا أيضا إنما زاد ضادا ، وبنى الفعل بنية اقتضاها الوزن . على أن قوله تبيضضي أشبه من قوله ادهمما . لأن مع الفعل في تبيضضي الياء التي هي ضمير الفاعل ، والضمير الموجود في اللفظ ، لا يبنى مع الفعل إلا والفعل على أصل بنائه الذي أريد به ، والزيادة لا تكاد تعترض بينهما نحو : ضربت وقتلت ، إلا أن تكون الزيادة مصوغة في نفس المثال غير منفكة في التقدير منه ، نحو سلقيت وجعبيت واحرنبيت وادلنظيت . ومن الزيادة للضرورة قول الآخر :


                                                          بات يقاسي ليلهن زمام     والفقعسي حاتم بن تمام
                                                          مسترعفات لصللخم سام



                                                          يريد لصلخم كعلكد وهلقس وشنخف . قال : وأما من رواه جدبا فلا نظر في روايته ؛ لأنه الآن فعل كخدب وهجف . قال : وجدب المكان جدوبة وجدب وأجدب ومكان جدب وجديب : بين الجدوبة ومجدوب ، كأنه على جدب ، وإن لم يستعمل . قال سلامة بن جندل :


                                                          كنا نحل إذا هبت شآمية     بكل واد حطيب البطن مجدوب



                                                          والأجدب : اسم للمجدب . وفي الحديث : كانت فيها أجادب أمسكت الماء ؛ على أن أجادب قد يكون جمع أجدب ، الذي هو جمع جدب . قال ابن الأثير في تفسير الحديث : الأجادب صلاب الأرض التي تمسك الماء فلا تشربه سريعا . وقيل : هي الأراضي التي لا نبات بها مأخوذ من الجدب ، وهو القحط كأنه جمع أجدب ، وأجدب جمع جدب ، مثل كلب وأكلب وأكالب . قال الخطابي : أما أجادب فهو غلط وتصحيف ، وكأنه يريد أن اللفظة أجارد ، بالراء والدال . قال : وكذلك ذكره أهل اللغة والغريب ، قال : وقد روي [ ص: 88 ] أحادب - بالحاء المهملة - . قال ابن الأثير : والذي جاء في الرواية أجادب بالجيم . قال : وكذلك جاء في صحيحي البخاري ومسلم . وأرض جدب وجدبة : مجدبة والجمع جدوب ، وقد قالوا : أرضون جدب ، كالواحد ، فهو على هذا وصف بالمصدر . وحكى اللحياني : أرض جدوب ، كأنهم جعلوا كل جزء منها جدبا ثم جمعوه على هذا . وفلاة جدباء : مجدبة . قال :


                                                          أو في فلا قفر من الأنيس     مجدبة جدباء عربسيس



                                                          والجدبة : الأرض التي ليس بها قليل ولا كثير ، ولا مرتع ولا كلأ . وعام جدوب ، وأرض جدوب ، وفلان جديب الجناب ، وهو ما حوله . وأجدب القوم : أصابهم الجدب . وأجدبت السنة : صار فيها جدب . وأجدب أرض كذا : وجدها جدبة ، وكذلك الرجل . وأجدبت الأرض ، فهي مجدبة ، وجدبت . وجادبت الإبل العام مجادبة إذا كان العام محلا ، فصارت لا تأكل إلا الدرين الأسود ، درين الثمام ، فيقال لها حينئذ : جادبت . ونزلنا بفلان فأجدبناه إذا لم يقرهم . والمجداب : الأرض التي لا تكاد تخصب ، كالمخصاب ، وهي التي لا تكاد تجدب . والجدب : العيب . وجدب الشيء يجدبه جدبا : عابه وذمه . وفي الحديث : جدب لنا عمر السمر بعد عتمة ، أي : عابه وذمه . وكل عائب ، فهو جادب . قال ذو الرمة :


                                                          فيا لك من خد أسيل ومنطق     رخيم ومن خلق تعلل جادبه



                                                          يقول : لا يجد فيه مقالا ، ولا يجد فيه عيبا يعيبه به ، فيتعلل بالباطل ، وبالشيء يقوله ، وليس بعيب . والجادب : الكاذب . قال صاحب العين : وليس له فعل ، وهو تصحيف . والكاذب يقال له الخادب بالخاء . أبو زيد : شرج وبشك وخدب إذا كذب . وأما الجادب بالجيم فالعائب . والجندب : الذكر من الجراد . قال : والجندب والجندب أصغر من الصدى ، يكون في البراري . وإياه عنى ذو الرمة بقوله :


                                                          كأن رجليه رجلا مقطف عجل     إذا تجاوب من برديه ترنيم



                                                          وحكى سيبويه في الثلاثي : جندب ، وفسره السيرافي بأنه الجندب . وقال العدبس : الصدى هو الطائر الذي يصر بالليل ويقفز ويطير ، والناس يرونه الجندب ، وإنما هو الصدى ، فأما الجندب فهو أصغر من الصدى . قال الأزهري : والعرب تقول : صر الجندب يضرب مثلا للأمر يشتد حتى يقلق صاحبه . والأصل فيه : أن الجندب إذا رمض في شدة الحر لم يقر على الأرض وطار فتسمع لرجليه صريرا ، ومنه قول الشاعر :


                                                          قطعت إذا سمع السامعون     من الجندب الجون فيها صريرا



                                                          وقيل الجندب : الصغير من الجراد . قال الشاعر :


                                                          يغالين فيه الجزء لولا هواجر     جنادبها صرعى لهن فصيص



                                                          أي : صوت . اللحياني : الجندب دابة ولم يحلها . والجندب والجندب - بفتح الدال وضمها - : ضرب من الجراد واسم رجل . قال سيبويه : نونها زائدة . وقال عكرمة في قوله تعالى : فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل . القمل الجنادب ، وهي الصغار من الجراد ، واحدتها قملة . وقال : يجوز أن يكون واحد القمل قاملا ، مثل راجع ورجع . وفي الحديث : فجعل الجنادب يقعن فيه ؛ هو جمع جندب ، وهو ضرب من الجراد . وقيل : هو الذي يصر في الحر . وفي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - : كان يصلي الظهر ، والجنادب تنقز من الرمضاء ، أي : تثب . وأم جندب : الداهية ، وقيل الغدر ، وقيل الظلم . وركب فلان أم جندب إذا ركب الظلم . يقال : وقع القوم في أم جندب إذا ظلموا ، كأنها اسم من أسماء الإساءة والظلم والداهية . غيره : يقال وقع فلان في أم جندب إذا وقع في داهية ؛ ويقال : وقع القوم بأم جندب إذا ظلموا وقتلوا غير قاتل . وقال الشاعر :


                                                          قتلنا به القوم الذين اصطلوا به     جهارا ولم نظلم به أم جندب



                                                          أي لم نقتل غير القاتل .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية