الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحكم الرابع : الجواز من الجانبين ، فلكل واحد منهما العزل . ولارتفاعها أسباب .

                                                                                                                                                                        الأول : أن يعزله الموكل بقوله : عزلته ، أو رفعت الوكالة ، أو فسختها ، أو أبطلتها ، أو أخرجته عنها ، فينعزل سواء ابتدأ توكيله ، أو وكله بسؤال الخصم ، بأن سألت زوجها أن يوكل في الطلاق ، أو الخلع ، أو المرتهن الراهن أن يوكل ببيع الرهن ، أو سأله خصمه أن يوكل في الخصومة . وهل ينعزل قبل بلوغ العزل إليه ؟ قولان . أظهرهما : ينعزل . فإن قلنا : لا ينعزل حتى يبلغه الخبر ، فالمعتبر خبر من تقبل روايته ، دون الصبي والفاسق . وإذا قلنا : ينعزل ، فينبغي للموكل أن يشهد على العزل ؛ لأن قوله بعد تصرف الوكيل : كنت عزلته ، لا يقبل .

                                                                                                                                                                        الثاني : إذا قال الوكيل : عزلت نفسي ، أو أخرجتها عن الوكالة ، أو رددتها ، انعزل قطعا ، كذا قاله الأصحاب . وقال بعض المتأخرين : إن كانت صيغة الموكل : بع وأعتق ونحوهما من صيغ الأمر ، لم ينعزل برد الوكالة ، وعزله نفسه ؛ لأن ذلك إذن وإباحة ، فأشبه ما لو أباحه الطعام لا يرتد برد المباح له ، ولا يشترط في انعزاله بعزل نفسه حصول علم الموكل .

                                                                                                                                                                        الثالث : ينعزل الوكيل بخروجه ، أو خروج الموكل عن أهلية تلك التصرفات بالموت أو الجنون . وفي وجه : لا ينعزل بجنون لا يمتد ، بحيث تتعطل المهمات . ويخرج إلى نصب قوام . والإغماء ، كالجنون على الأصح . والثاني : لا ينعزل به ، واختاره الإمام ، والغزالي في " الوسيط " ؛ لأن المغمى عليه لا يلتحق بمن تولي عليه . والمعتبر في الانعزال التحاق الوكيل والموكل بمن تولي عليه . وفي معنى الجنون ، الحجر عليه بسفه ، أو فلس في كل تصرف لا ينفذ منهما . وكذا لو طرأ الرق ، [ ص: 331 ] بأن وكل حربيا ، ثم استرق . وإذا جن الموكل ، انعزل الوكيل في الحال وإن لم يبلغه الخبر قطعا ، بخلاف العزل .

                                                                                                                                                                        الرابع : خروج محل التصرف عن ملك الموكل ، بأن باع الموكل ما وكله في بيعه أو أعتقه . فلو وكله ببيعه . ثم آجره ، قال في " التتمة " : ينعزل ؛ لأن الإجارة إن منعت البيع ، لم يبق مالكا للتصرف ، وإلا فهي علامة الندم ؛ لأن من يريد البيع لا يؤاجر لقلة الرغبات . وتزويج الجارية عزل . وفي طحن الحنطة وجهان .

                                                                                                                                                                        وجه الانعزال ، بطلان اسم الحنطة . وأما العرض على البيع وتوكيل وكيل آخر ، فليس بعزل قطعا .

                                                                                                                                                                        الخامس : لو وكل عبده في بيع أو تصرف آخر ، ثم أعتقه أو باعه ، ففي انعزاله أوجه . ثالثها : أنه إن كانت الصيغة : وكلتك ، بقي الإذن . وإن كانت : بع ، أو نحوه ، ارتفع . والكتابة كالبيع . وعبد غيره كعبده . وإذا حكمنا ببقاء الإذن في صورة البيع ، لزمه استئذان المشتري ؛ لأن منافعه صارت له . فلو لم يستأذن ، نفذ تصرفه لبقاء الإذن وإن عصى ، قال الإمام : وفيه احتمال .

                                                                                                                                                                        قلت : لم يصحح الرافعي شيئا من الخلاف في انعزاله ، ولم يصححه الجمهور . وقد صحح صاحب " الحاوي " والجرجاني في المعاياة انعزاله . وقطع به الجرجاني في كتابه التحرير . وأما عبد غيره ، فطرد الرافعي فيه الوجهين متابعة لصاحب " التهذيب " . ولكن المذهب ، والذي جزم به الأكثرون : القطع ببقائه . قال صاحب " البيان " : والخلاف في عبد غيره ، هو فيما إذا أمره السيد ليتوكل لغيره . فأما إن قال : إن شئت فتوكل لفلان ، وإلا فلا تتوكل ، ثم أعتقه أو باعه ، فلا ينعزل قطعا كالأجنبي . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        السادس : لو جحد الوكيل الوكالة ، هل يكون ذلك عزلا ؟ فيه أوجه ، أصحها : ثالثها : إن كان لنسيان أو غرض في الإخفاء ، لم يكن عزلا ، وإن تعمد [ ص: 332 ] ولا عرض في الإخفاء ، انعزل . ولو أنكر الموكل التوكيل ، ففي انعزاله الأوجه .

                                                                                                                                                                        قلت : ومن فروع هذه ، لو وكل رجلين ، فعزل أحدهما لا بعينه ، فوجهان في " الحاوي " " والمستظهري " ، أصحهما : لا ينفذ تصرف واحد منهما حتى يميز ، للشك في أهليته . والثاني : لكل التصرف ؛ لأن الأصل بقاء تصرفه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        متى قلنا : الوكالة جائزة ، أردنا الخالية عن الجعل . فأما إذا شرط فيها جعل معلوم ، واجتمعت شرائط الإجارة ، وعقد بلفظ الإجارة ، فهي لازمة . وإن عقد بلفظ الوكالة ، أمكن تخريجه على أن الاعتبار بصيغ العقود ، أم بمعانيها ؟

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية