الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو ) ( قال : له علي ألف من ثمن خمر أو كلب ) مثلا ( أو ألف ) ( قضيته لزمه الألف ) ولو كافرا ، جاهلا كما اقتضاه كلامهم ( في الأظهر ) إلغاء لآخر لفظه الرافع لما أثبته فأشبه علي ألف لا تلزمني ، نعم لو قال : ظننته يلزمني حلف المقر له على نفيه رجاء أن ترد اليمين عليه فيحلف المقر ولا يلزمه ، ولو صدقه المقر له على ذلك فلا شيء على المقر ، وإن كذبه وحلف لزمه المقر به ما لم تقم بينة على المنافي فلا يلزمه ، وما بحثه بعضهم وتبعه غيره في حنفي أقر بأن لزيد عنده مائة قيمة نبيذ أتلفه عليه أنه لو رفع لشافعي وقد أقر بذلك لا يلزمه لانتفاء قصده رفع حكم الإقرار فليس مكذبا لنفسه محل نظر ، بدليل قولهم : إن العبرة بعقيدة الحاكم لا الخصم ، وحيث كان كذلك فالحاكم الشافعي يحمله على تعقيب الإقرار بما يرفعه ويلزمه بذلك ، ومقابل الأظهر لا يلزمه شيء لأن الكل كلام واحد فتعتبر جملته ولا يتبعض ويفصل أوله عن آخره ، وعليه فللمقر له تحليفه أنه كان من ثمن خمر ، ولو قال له علي من ثمن خمر مثلا كذا لم يلزمه قطعا ، ولو أشهد على نفسه أنه سيقر له بما ليس عليه فأقر أن لفلان عليه كذا لزمه ولم ينفعه الإشهاد ، ولو قال كان له علي ألف ولم [ ص: 101 ] يكن في جواب دعوى فلغو كما مر لانتفاء إقراره له حالا بشيء ، ويفرق بينه وبين كان له علي ألف وقد قضيته بأن جملة قضيته وقعت حالا مقيدة لعلي فاقتضت كونه معترفا بلزومها إلى أن يثبت القضاء وإلا فيبقى اللزوم ، بخلاف الأول فإنه لا إشعار فيه بلزوم شيء حالا أصلا فكان لغوا ، ولو قال : له علي ألف أو لا بسكون الواو فلغو للشك ، ولو شهدا عليه بألف درهم وأطلقا قبلا ، ولا نظر لقوله : إنها من ثمن خمر ، ولا يجاب لتحليف المدعي ، وللحاكم استفسارهما على الوجه الملزم بالألف ، ولو قال : له علي ألف أخذته أنا وفلان لزمه الألف ، ولا ينافيه قولهم لو قال : غصبنا من زيد ألفا ثم قال كنا عشرة أنفس وخالفه زيد صدق الغاصب بيمينه لأنه أتى هنا بنون الجمع الدالة على ما وصله به فلا رفع فيه ( ولو ) ( قال ) له علي الألف ( من ثمن ) بيع فاسد لزمه الألف أو من ثمن ( عبد لم أقبضه إذا سلمه ) إلي ( سلمت ) له الألف وأنكر المقر له البيع وطالبه بالألف ( قبل ) إقراره كما ذكر ( على المذهب وجعل ثمنا ) إذ المذكور آخرا لا يرفع ما ذكر أولا ، ولا بد من اتصال قوله من ثمن عبد ، والأوجه إلحاق [ ص: 102 ] كل تقييد لمطلق أو تخصيص لعام كاتصال الاستثناء بما تقرر وإلا لبطل الاحتجاج بالإقرار بخلاف لم أقبضه ، وقوله : إذا إلى آخره إيضاح لحكم لم أقبضه وكذا جعل ثمنا مع قبل .

                                                                                                                            والطريق الثاني طرد القولين في المسألة قبلها لأنه يرفعه على تقدير عدم إعطاء العبد ، ولو أقر بقبض ألف عن قرض أو غيره ثم ادعى عدم قبضه قبل لتحليف المقر له بخلاف ما لو قال : أقرضني ألفا ثم ادعى أنه لم يقبضه فإنه يقبل كما جرى عليه الشاشي وغيره تبعا للماوردي في الحاوي وقال في المطلب : لا أظن أن يأتي فيه خلاف ، ولا فرق في القبول بين أن يقول ذلك متصلا أو منفصلا ، وقد صرح به الماوردي في الحاوي وهو المعتمد خلافا لما في الشامل .

                                                                                                                            ولو ادعى عليه بألف فقال : له علي ألف من ثمن مبيع لم يلزمه شيء إلا أن يقول من ثمن قبضته منه ، بخلاف له علي تسليم ألف ثمن مبيع لأن علي وما بعدها هنا تقتضي أنه قبضه ، ومن ثم لو ادعى عدم قبضه لم يقبل .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ولو كافرا ) قد يتوقف فيه إذا كان المقر والمقر له كافرين بعلمنا بالتعامل بالخمر فيما بينهم وباعتقادهم حله ، وقضيته عدم لزوم الألف قياسا على ما لو نكحها بخمر في الكفر وأقبضه لها ثم أسلما ، ولا ينافيه ما يأتي من أن العبرة بعقيدة الحاكم .

                                                                                                                            لأنا نقول : القرينة مخصصة ومقتضاها عدم اللزوم فليس هو من تعقيب الإقرار بما يرفعه ، وسيأتي ما يصرح بهذا التوقف عن سم في قوله قد يقال اعتبار عقيدة الحاكم إلخ ( قوله : جاهلا ) سيأتي ما يفيد قبول ذلك منه لو قطع بصدقه ككونه بدويا جلفا فما هنا محله حيث لا يذكر ما يمنع من صحة الإقرار ( قوله : أتلفه عليه ) أي وكذبه المقر له ( قوله لانتفاء قصده ) أي الحنفي ( قوله : محل نظر ) قد يقال اعتبار عقيدة الحاكم لا ينافيه العمل بالقرينة ، لكن قضيته عدم اللزوم إذا كان المقر كافرا أيضا للقرينة وهو وجيه ا هـ سم على حج ( قوله : عليه ) أي المقابل وقوله لم يلزمه قطعا : أي سواء كان مسلما أو كافرا عالما أو جاهلا ، ونقل في الدرس عن سم ما يوافقه ( قوله : ولم ينفعه الإشهاد ) وخرج بالإشهاد ما لو صدقه المقر له حين الإقرار الأول على أنه لا يستحق عنده شيئا ثم أقر له بشيء فينبغي أن يقال : إن مضي زمن يمكن لزوم ذمة المقر بما أقر به لزمه عدم منافاته تصديق المقر له وإن لم يمض ذلك لم يلزمه شيء ( قوله : ولو قال كان له علي ألف ) عبارة سم على حج : ولو قال كان له علي ألف قضيته فلغو [ ص: 101 ] كذا في أصل الروض ، وفي شرح م ر ما نصه : ولو قال : كان علي إلخ ، ويفرق بينه وبين كان له علي ألف وقد قضيته بأن جملة قضيته وقعت حالا مقيدة لعلي فاقتضت كونه معترفا بلزومها إلى أن يثبت القضاء وإلا فينبغي اللزوم بخلاف الأول فإنه لا إشعار فيه بلزوم شيء حالا أصلا فكان لغوا ا هـ .

                                                                                                                            فليتأمل فيه في نفسه ثم مع مسألة الروض المذكورة ، فإن " قضيته " بدون الواو حال أيضا ، إلا أن يقال : هي مع الواو أقرب للحالية ، لكن ليس في كلام م ر قضيته ، وإنما قال كان له علي ألف والفرق عليها ظاهر ( قوله : وقد قضيته ) حيث لزمه ، وقوله بخلاف الأولى هي قوله ولو قال كان له إلخ ( قوله : وللحاكم استفسارهما ) أي فإن امتنعا لم يؤثر في شهادتهما فيما يظهر كما يأتي بقيده في الشهادات في بحث المنتقبة وغيرها ا هـ حج .

                                                                                                                            وقد يقال بالتأثير لجواز أن يعتقد لزومه بوجه لا يراه القاضي ( قوله : لزمه الألف ) أي ولا شيء على فلان ( قوله : وخالفه زيد ) أي فادعى أنه غصبه وحده مثلا ، وقوله صدق الغاصب : أي فيلزمه عشر الألف ( قوله : الدالة على ما وصله ) وعليه فلو قال هنا أنا وفلان أخذنا من زيد ألفا كان كالغاصب فيلزمه النصف ( قوله : من ثمن بيع فاسد ) أي من ثمن مبيع ببيع فاسد ( قوله : ولا بد من اتصال قوله من ثمن عبد ) أي بخلاف قوله لم أقبضه فيقبل سواء قاله متصلا به أو منفصلا عنه ا هـ شرح منهج . أقول .

                                                                                                                            والفرق بين قوله من ثمن عبد وبين قوله لم أقبضه أن ذكر الثمن بعد قوله له علي ألف قد يؤدي إلى إسقاط الحق بعد لزومه كأن يتلف المبيع في يد البائع فلم يقبل منه ووجب الألف لاحتمال كونه بسبب آخر لا يقتضي السقوط [ ص: 102 ] قوله : بما تقرر ) أي أنه لا بد من اتصاله ( قوله : لم يلزمه شيء ) أي لم يلزمه تسليم شيء .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : نعم لو قال ظننته يلزمني ) عبارة التحفة : نعم إن قال من نحو خمر وظننته يلزمني ( قوله : ) ( حلف المقر له على نفيه ) أي نفي كونه من ثمن خمر ( قوله : ما لم تقم بينة على المنافي ) انظر ما وجه قبول هذه البينة مع أنه يحتمل أنه لزمه الألف بسبب آخر فهي شاهدة بنفي غير محصور ( قوله : بدليل قولهم إلخ ) أي ; ولأنه كالكافر بالنسبة للخمر مثلا فيما مر بل أولى ، ولعل هذا الباحث يجعل الكافر مثله في ذلك ( قوله : فالحاكم الشافعي يحمله إلخ ) [ ص: 101 ] وظاهر أنه يأتي هنا ما مر في الاستدراك من تحليف المقر له رجاء أن يرد اليمين . ( قوله : ولم يكن في جواب دعوى ) انظر ما حكم مفهومه ( قوله : ولا بد من اتصال قوله من ثمن عبد إلخ ) عبارة التحفة : ولا بد من اتصال قوله من ثمن عبد ، ويلحق به فيما يظهر كل تقييد لمطلق أو تخصيص لعام كاتصال الاستثناء كما هو ظاهر وإلا لبطل الاحتجاج إلخ ، فقوله : كاتصال الاستثناء متعلق بقوله اتصال من قوله ولا بد من اتصال إلخ ، ومراده بذلك أن ضابط الاتصال هنا كضابطه الآتي في الاستثناء ، وقوله : ويلحق به إلخ معترض بين المتعلق والمتعلق كما لا يخفى ، والشارح فهم أن مراده أنه يقيس كلا من تقييد المطلق ، وتخصيص العام ، والاستثناء على ما هنا في وجوب مطلق الاتصال فعبر عنه بما ترى مع أنه غير ما أراده قطعا ، كيف ووجوب اتصال الاستثناء سيأتي قريبا في المتن فكيف يبحثه بقوله فيما يظهر فيجب إصلاح عبارة الشارح بأن يحذف منها لفظ بما تقرر ويجعل بدله لفظ به عقب قوله [ ص: 102 ] أو تخصيص لعام ; ليوافق عبارة التحفة




                                                                                                                            الخدمات العلمية