الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي جواهر الفتاوى : استأجر حائكا لينسج ثوبا ثم آجر الحائك نفسه من آخر للنسج صح كلا العقدين ; لأن المعقود عليه العمل لا المنفعة ( ولا يستحق المشترك الأجر حتى يعمل كالقصار ونحوه ) كفتال وحمال ودلال وملاح ، وله خيار الرؤية في كل عمل يختلف باختلاف المحل [ ص: 65 ] مجتبى ( ولا يضمن ما هلك في يده وإن شرط عليه الضمان ) ; لأن شرط الضمان في الأمانة باطل كالمودع ( وبه يفتى ) كما في عامة المعتبرات ، وبه جزم أصحاب المتون فكان هو المذهب خلافا للأشباه . [ ص: 66 ] وأفتى المتأخرون بالصلح على نصف القيمة ، وقيل إن الأجير مصلحا لا يضمن ، وإن بخلافه يضمن ، وإن مستور الحال يؤمر بالصلح عمادية .

قلت : وهل يجبر عليه ؟ حرر في تنوير البصائر نعم كمن تمت مدته في وسط البحر أو البرية تبقى الإجارة بالجبر

التالي السابق


( قوله وفي جواهر الفتاوى إلخ ) أراد به التنبيه على حكم الأجير المشترك والمعقود عليه ، قال الزيلعي : وحكمهما أي المشترك والخاص أن المشترك له أن يتقبل العمل من أشخاص ; لأن المعقود عليه في حقه هو العمل أو أثره فكان له أن يتقبل من العامة ; لأن منافعه لم تصر مستحقة لواحد ، فمن هذا الوجه سمي مشتركا والخاص لا يمكنه أن يعمل لغيره ; لأن منافعه في المدة صارت مستحقة للمستأجر والأجر مقابل بالمنافع ولهذا يبقى الأجر مستحقا وإن نقض العمل ا هـ .

قال أبو السعود : يعني وإن نقض عمل الأجير رجل ، بخلاف ما لو كان النقض منه فإنه يضمن كما سيأتي



( قوله حتى يعمل ) ; لأن الإجارة عقد معاوضة فتقتضي المساواة بينهما ، فما لم يسلم المعقود عليه للمستأجر لا يسلم له العوض والمعقود عليه هو العمل أو أثره على ما بينا فلا بد من العمل زيلعي والمراد لا يستحق الأجر مع قطع النظر عن أمور خارجية ; كما إذا عجل له الأجر أو شرط [ ص: 65 ] تعجيله كما في السعدية ، وقدمناه أوائل كتاب الإجارة ، وتقدم هناك أنه لو طلب الأجر إذا فرغ وسلمه فهلك قبل تسليمه يسقط الأجر ، وكذا كل من لعمله أثر ، وما لا أثر له كحمال له الأجر كما فرغ وإن لم يسلم . ( قوله مجتبى ) عبارته : شارط قصارا على أن يقصر له ثوبا مرويا بدرهم ورضي به فلما رأى الثوب القصار قال : لا أرضى فله ذلك وكذا الخياط ، والأصل فيه أن كل عمل يختلف باختلاف المحل يثبت فيه خيار الرؤية عند رؤية المحل وما لا فلا ، كمن استأجر ليكيل له هذه الحنطة أو يحجم عبده فلما رأى محل العمل امتنع ليس له ذلك ثم قال : والأصل أن الاستئجار على عمل في محل هو عنده جائز وما ليس عنده فلا كبيع ما ليس عنده ا هـ منح ، ومثله في البزازية قبيل الخامس



( قوله ولا يضمن إلخ ) اعلم أن الهلاك إما بفعل الأجير أو لا ، والأول إما بالتعدي أو لا . والثاني إما أن يمكن الاحتراز عنه أو لا ، ففي الأول بقسميه يضمن اتفاقا . وفي ثاني الثاني لا يضمن اتفاقا وفي أوله لا يضمن عند الإمام مطلقا ويضمن عندهما مطلقا . وأفتى المتأخرون بالصلح على نصف القيمة مطلقا ، وقيل إن مصلحا لا يضمن وإن غير مصلح ضمن ، وإن مستورا فالصلح ا هـ ح والمراد بالإطلاق في الموضعين المصلح وغيره .

مطلب يفتى بالقياس على قوله وفي البدائع : لا يضمن عنده ما هلك بغير صنعه قبل العمل أو بعده ; لأنه أمانة في يده وهو القياس . وقالا يضمن إلا من حرق غالب أو لصوص مكابرين وهو استحسان ا هـ . قال في الخيرية : فهذه أربعة أقوال كلها مصححة مفتى بها ، وما أحسن التفصيل الأخير والأول قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - . وقال بعضهم : قول أبي حنيفة قول عطاء وطاوس وهما من كبار التابعين ، وقولهما قول عمر وعلي وبه يفتى احتشاما لعمر وعلي صيانة لأموال الناس ، والله أعلم ا هـ . وفي التبيين : وبقولهما يفتى لتغير أحوال الناس ، وبه يحصل صيانة أموالهم ا هـ . ; لأنه إذا علم أنه لا يضمن ربما يدعي أنه سرق أو ضاع من يده . وفي الخانية والمحيط والتتمة : الفتوى على قوله ، فقد اختلف الإفتاء ، وقد سمعت ما في الخيرية . وقال ابن ملك في شرح المجمع : وفي المحيط : الخلاف فيما إذا كانت الإجارة صحيحة فلو فاسدة لا يضمن اتفاقا ; لأن العين حينئذ تكون أمانة لكون المعقود عليه وهو المنفعة مضمونة بأجر المثل ا هـ . قلت : ومحل الخلاف أيضا فيما إذا كان الهالك محدثا فيه العمل كما في الجوهرة للحدادي أو لا يستغني عنه ما يحدث فيه العمل ، لما في البدائع : روى هشام عن محمد فيمن دفع إلى رجل مصحفا يعمل فيه ودفع الغلاف معه أو سكينا ليصقله ودفع الجفن معه ، قال محمد : يضمن المصحف والغلاف والسيف والجفن ; لأن المصحف والسيف لا يستغنيان عن الغلاف والجفن ، فإن أعطاه مصحفا يعمل له غلافا أو سكينا يعمل له نصابا فضاع المصحف أو السكين لم يضمنه ; لأنه لم يستأجره على أن يعمل فيهما بل في غيرهما ا هـ ( قوله وبه جزم أصحاب المتون ) كالوقاية والملتقى والغرر والإصلاح ، فكلهم صرحوا بعدم الضمان وإن شرطه .

وأما القدوري والهداية والكنز والمجمع فأطلقوا عدم الضمان فيفهم ذلك من كلامهم . ( قوله خلافا للأشباه ) أي من أنه إن شرط ضمانه ضمن [ ص: 66 ] إجماعا ح . وهو منقول عن الخلاصة ، وعزاه ابن ملك للجامع ( قوله وأفتى المتأخرون بالصلح ) أي عملا بالقولين ومعناه عمل في كل نصف بقول حيث حط النصف وأوجب النصف بزازية . قال في شرح الملتقى . قال الزاهدي : على هذا أدركت مشايخنا بخوارزم وأقره القهستاني ا هـ . وفي جامع الفصولين منهم شمس الأئمة والأوزجندي وأئمة فرغانة . ( قوله وقيل إن الأجير مصلحا إلخ ) عزاه في جامع الفصولين إلى فوائد صاحب المحيط . ( قوله وهل يجبر عليه ) أي على الصلح . ( قوله حرر في تنوير البصائر نعم ) حيث قال : فإن قلت كيف يصح الصلح جبرا .

قلت : الإجارة عقد يجري فيها الجبر بقاء ألا ترى أن من استأجر دابة أو سفينة مدة معلومة وانقضت مدتها في وسط البرية أو في لجة البحر فإنها تبقى الإجارة بالجبر ولا يجري الجبر في ابتدائها ، وهذه الحالة حالة البقاء فيجري فيها الجبر ا هـ .

قلت : هذا السؤال والجواب مذكوران في البزازية بالحرف مع زيادة في الجواب ، ذكرهما صاحب البزازية بعد قوله وبعضهم أفتوا بالصلح ، ثم قال بعدهما : ولا يرد ما قاله في العون ربما لا يقبلان : أي الأجير والمستأجر الصلح فاخترت قول الإمام ، لما قلنا إن الصلح مجاز عن الحط . ثم قال في البزازية : وأئمة سمرقند أفتوا بجواز الصلح بلا جبر ا هـ . فعلم أنهما قولان في الجبر وعدمه بدليل قوله حط النصف وأوجب النصف فإن الإيجاب جبري والصلح فيه مجاز عن الحط كما علمت ، وهذا قول الأوزجندي وأئمة خوارزم وفرغانة كما مر ، والثاني قول أئمة سمرقند ، فما في المنح مما يفيد أن الإمام ظهير الدين رجع عن القول بالجبر لا يدل على أن القول به مهجور ، إلا أن ينقل الرجوع عن كل من قال به فافهم . ( قوله تبقى الإجارة بالجبر ) بيان لوجه الشبه الذي تضمنه الكاف ط ، وبحث فيه بعضهم بأنه قياس مع الفارق لتحقق الضرورة في المقيس عليه




الخدمات العلمية