الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
973 - عمرو بن عثمان بن قنبر ، أبو بشر ، المعروف بسيبويه النحوي ، مولى بني الحارث بن كعب . وقيل : مولى آل الربيع بن زياد .

[ ص: 54 ] وتفسير سيبويه : رائحة التفاح ، وكانت والدته ترقصه في الصغر بذلك .

قال إبراهيم الحربي : سمي سيبويه لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحة .

قال مؤلف الكتاب : وكان سيبويه يصحب المحدثين والفقهاء ، ويطلب الآثار ، وكان يستملي على حماد بن سلمة ، فلحن في حرف ، فعابه حماد فأنف من ذلك ، ولزم الخليل فبرع في النحو ، وقدم بغداد وناظر الكسائي .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال : أنبأني القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي قال : أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل النجيرمي قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد المهلبي قال : أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن الروذباري قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي قال : حدثنا إبراهيم الحربي قال : سمعت ابن عائشة يقول : كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد ، وكان شابا جميلا نظيفا ، قد تعلق من كل علم بسبب ، وضرب في كل أدب بسهم مع حداثة سنه وبراعته في النحو .

قال التاريخي : وحدثني ابن الأعلم قال : حدثنا محمد بن سلام قال : كان سيبويه جالسا في حلقة بالبصرة ، فتذاكرنا شيئا من حديث قتادة ، فذكر حديثا غريبا وقال : لم يرو هذا غير سعيد بن أبي العروبة . فقال له بعض من حضر : ما هاتان الزيادتان يا أبا بشر ؟ قال : هكذا يقال ، لأن العروبة يوم الجمعة ، فمن قال عروبة فقد أخطأ ، قال ابن سلام : فذكرت ذلك ليونس فقال : أصاب ، لله دره .

قال أبو سعيد السيرافي : أخذ سيبويه اللغات عن أبي الخطاب الأخفش وغيره ، [ ص: 55 ] وعمل كتابه الذي لم يسبقه أحد إلى مثله ولا لحق به من بعده ، وكان كتابه لشهرته عند النحويين علما ، فكان يقال بالبصرة قرأ فلان للكتاب فيعلم أنه كتاب سيبويه ، وكان المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه يقول له : هل ركبت البحر . تعظيما له واستصعابا لما فيه .

وقال السيرافي : لم نعلم أحدا قرأ كتاب سيبويه عليه ، إنما قرئ بعده على أبي الحسن الأخفش ، ورأيت في تعاليق أبي عبد الله المرزباني : قال ثعلب : اجتمع أربعون نفسا حتى عملوا كتاب سيبويه هو أحدهم ، وهو أصول الخليل ونكته فادعاه سيبويه ، وأنا أستبعد هذا لأن مثله لا يخفى ، والكل قد سلموا للرجل .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال : أخبرنا أحمد [بن علي بن ثابت ] الخطيب قال : أخبرنا هلال بن المحسن قال : حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح قال : حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال : أخبرنا ابن المتوكل قال : حدثنا أبو بكر العبدي قال : لما قدم سيبويه بغداد ، فناظر سيبويه الكسائي وأصحابه ، فلم يظهر عليهم ، فسأل من يبذل من الملوك ويرغب في النحو ؟ فقيل له : طلحة بن طاهر . فشخص إلى خراسان ، فلما انتهى إلى ساوة مرض مرضه الذي مات فيه ، فتمثل عند الموت :


يؤمل دنيا لتبقى له فمات المؤمل قبل الأمل     حثيثا يروي أصول الفسيل
فعاش الفسيل ومات الرجل



أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد قال : ] أخبرنا [ أحمد بن علي بن ثابت ] [ ص: 56 ] الخطيب ، أخبرنا عبد الله بن يحيى السكري قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم قال : أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي المتوكل قال : أخبرنا أبو الحسن المدائني قال : قال أبو عمرو بن يزيد : احتضر سيبويه فوضع رأسه في حجر أخيه ، فأغمي عليه فدمعت عين أخيه فأفاق فرآه يبكي فقال :


فكنا جميعا فرق الدهر بيننا     إلى الأمد الأقصى فمن يأمن الدهرا ؟



توفي سيبويه في هذه السنة . وقيل : في التي قبلها .

قال أبو بكر الخطيب : ويقال أن سنه كانت اثنتين وثلاثين سنة .

974 - عفيرة العابدة .

كانت طويلة الحزن ، كثيرة البكاء ، قدم أخ لها ، فبشرت بقدومه ، فبكت ، فقيل لها هذا وقت بكاء ؟ فقالت : ما أجد للسرور في قلبي مسكنا مع ذكر الآخرة ، ولقد أذكرني قدومه يوم القدوم على الله فمن بين مسرور ومثبور .

أخبرنا ابن ناصر بإسناد له عن محمد بن عبيد قال : دخلنا على امرأة بالبصرة يقال لها : عفيرة ، فقيل لها : [يا عفيرة ] ، ادعي الله لنا . فقالت : لو خرس الخاطبون ما تكلمت عجوزكم ، ولكن المحسن أمن المسيء بالدعاء ، جعل الله قراكم من بيتي في الجنة ، وجعل الموت مني ومنكم على بال .

975 - مسلم بن خالد بن سعيد بن خرجة ، أبو خالد . ويلقب : الزنجي .

كان فقيها ، عابدا ، يصوم الدهر .

توفي بمكة في هذه السنة ، لكنه كان كثير الغلط والخطأ في حديثه .

[ ص: 57 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية