الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
أورد الكفالة عقيب البيوع لأنها غالبا يكون تحققها في الوجود عقيب البيع ، فإنه قد لا يطمئن البائع إلى المشتري فيحتاج إلى من يكفله بالثمن ، أو لا يطمئن المشتري إلى البائع فيحتاج إلى من يكفله في البيع وذلك في السلم ، فلما كان تحققها في الوجود غالبا بعدها أوردها في التعليم بعدها ، ولها مناسبة خاصة بالصرف وهي أنها تصير بالآخرة معاوضة عما ثبت في الذمة من الأثمان وذلك عند الرجوع على المكفول عنه ، ثم لزم تقديم الصرف لأنه من أبواب البيع السابق على الكفالة فلزمت الكفالة بعده .
ومحاسن الكفالة جليلة وهي : تفريج كرب الطالب الخائف على ماله ، والمطلوب الخائف على نفسه حيث كفيا مؤنة ما أهمهما وقر جأشهما وذلك نعمة كبيرة عليهما ، ولذا كانت الكفالة من الأفعال العالية حتى امتن الله تعالى بها حيث قال { nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37وكفلها زكريا } في قراءة التشديد يتضمن الامتنان على مريم ، إذ جعل لها من يقوم بمصالحها ويقوم بها بأن أتاح لها ذلك ، وسمى نبيا بذي الكفل لما كفل جماعة من الأنبياء لملك أراد قتلهم . وسبب وجودها تضييق الطالب على المطلوب مع قصد الخارج رفعه عنه إما تقربا إلى الله تعالى أو إزالة للأذى عن نفسه إذا كان المطلوب ممن يهمه ما أهمه . وسبب شرعيتها دفع هذه الحاجة [ ص: 163 ] والضرر الذي ذكرناه آنفا .
nindex.php?page=treesubj&link=16601_16614_16616_16615_16637_16617وشرطها في الكفيل كونه من أهل التبرع ، فلا كفالة من صبي ولا عبد محجور ولا مكاتب ، ولا تصح من المريض إلا من الثلث ، وفي الدين أن يكون صحيحا ; فلا كفالة في بدل الكتابة لأنه ليس دينا صحيحا إذ لا يلزم دين للمولى على عبده ولزوم دين الكتابة ، بخلاف القياس ليصل العبد إلى العتق وأن يكون مقدور التسليم ، وأما مفهومها ( الكفالة ) لغة فقال المصنف : الضم سواء كان متعلقه عينا أو معنى . قال في المغرب : تركيبه دال على الضم والتضمين ، ومنه كفل البعير كساء يدار حول سنامه كالحوية يركب عليه ، وكفل الشيطان مركبه .
وأما في الشرع فما أشار إليه من قوله ( ثم قيل : هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة ، وقيل في الدين ، قال : والأول أصح )
nindex.php?page=treesubj&link=16600_16658فلا يثبت الدين في ذمة الكفيل خلافا nindex.php?page=showalam&ids=13790للشافعي nindex.php?page=showalam&ids=16867ومالك nindex.php?page=showalam&ids=12251وأحمد في رواية ; فيثبت الدين في ذمة الكفيل ولا يسقط عن الأصيل ، ولم يرجح في المبسوط أحد القولين على الآخر وما يخال من لزوم صيرورة الألف الدين الواحد ألفين كما ذكره بعض الشارحين . قال في المبسوط : وليس من ضرورة nindex.php?page=treesubj&link=16600_16658_16659ثبوت المال في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل ما يوجب زيادة حق الطالب ، لأن الدين وإن ثبت في ذمة الكفيل فالاستيفاء لا يكون إلا من أحدهما كالغاصب مع غاصب الغاصب . فإن كلا ضامن للقيمة وليس حق المالك إلا في قيمة واحدة ; لأنه لا يستوفي إلا من أحدهما ، واختياره تضمين أحدهما يوجب براءة الآخر ، فكذا هنا يريد باختياره التضمين القبض منه لا مجرد حقيقة اختياره لأنه يتحقق بمرافعة أحدهما وبمجرد ذلك لا يبرأ الآخر ، ومما يدل على ثبوت الدين في ذمة الكفيل أنه لو وهب الدين للكفيل صح ويرجع الكفيل به على الأصيل مع أن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تجوز ، وكذا لو اشترى من الكفيل بالدين شيئا يصح مع أن الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح .
والحاصل أن ثبوت الدين في الذمة اعتبار من الاعتبارات الشرعية فجاز أن يعتبر الشيء الواحد في ذمتين ، إنما يمتنع في عين ثبت في زمن واحد في ظرفين حقيقيين ، ولكن المختار ما ذكرنا أنه في مجرد المطالبة لا الدين لأن اعتباره في الذمتين وإن أمكن شرعا لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب ولا موجب لأن التوثق يحصل بالمطالبة وهو لا يستلزم ، ولا بد من ثبوت اعتبار الدين في الذمة كالوكيل بالشراء يطالب بالثمن وهو في ذمة الموكل ، وأما الجواب عن تسليم الهبة والدين فإنا جعلناه في حكم الدينين تصحيحا لتصرف صاحب الحق وذلك عند وقوعه بالفعل وقبله لا ضرورة فلا داعي إلى ذلك . ولا يخفى أن ما نقل من قول nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة أن الدين فعل يقتضي أن الدين في ذمة الكفيل أيضا كما هو في ذمة [ ص: 164 ] الأصيل إذ فعل الأداء واجب عليه . ثم الوجه أن تطلق المطالبة من غير تقييد بالدين فإن الكفالة كما تكون بالديون تكون بالأعيان المضمونة بنفسها وهو ما يجب تسليمه بعينه ، فإن هلك ضمن مثله إن كان له مثل ، وبقيمته إن لم يكن له مثل كالمغصوب والمبيع بيعا فاسدا . والمقبوض على سوم الشراء تصح الكفالة بها ويجب تسليمها ، وإذا هلكت يجب تسلم قيمتها إذا ثبت بالبينة أو بالإقرار ، والأعيان المضمونة بغيرها وهي الأعيان الواجبة التسليم قائمة ، وعند هلاكها لا يجب تسليم مثلها ولا قيمتها وهو المبيع قبل القبض يضمن بالثمن وكالرهن يضمن بالدين ، ولو هلكت لا يجب على الكفيل قيمتها . وأما الأعيان الواجبة التسليم وهي أمانة كالعارية والمستأجر في يد المستأجر تصح الكفالة بها ومتى هلكت لا تجب على الكفيل قيمتها ، بخلاف الأعيان الغير الواجبة التسليم كالوديعة ومال المضاربة والشركة لا تصح الكفالة بها أصلا .
وأما nindex.php?page=treesubj&link=16603_16630ركنها فالإيجاب والقبول بالألفاظ الآتية ، ولم يجعل nindex.php?page=showalam&ids=14954أبو يوسف في قوله الأخير القبول ركنا فجعل الكفالة تتم بالكفيل وحده في الكفالة بالمال والنفس وهو قول nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك nindex.php?page=showalam&ids=12251وأحمد وقول nindex.php?page=showalam&ids=13790للشافعي . واختلفوا على قول nindex.php?page=showalam&ids=14954أبي يوسف ; فقيل : إن الكفالة تصح من الواحد وحده موقوفا على إجازة الطالب أو تصح نافذا وللطالب حق الرد . وفائدة الخلاف إنما تظهر فيما إذا مات المكفول له قبل القبول من يقول بالتوقف يقول لا يؤاخذ به الكفيل .
وأما nindex.php?page=treesubj&link=16659_27080حكمها فثبوت حق المطالبة للكفيل متى شاء سواء تعذر عليه مطالبة الأصيل أو لا ، وفي رواية عن nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك لا يطالبه إلا إذا تعذر ذلك .
وقال nindex.php?page=showalam&ids=16330ابن أبي ليلى nindex.php?page=showalam&ids=16438وابن شبرمة nindex.php?page=showalam&ids=15858وداود nindex.php?page=showalam&ids=11956وأبو ثور : ينتقل الحق إلى ذمة الكفيل فلا يملك مطالبة الأصيل أصلا كما في الحوالة ، وما ذكر في المنظومة من نسبة ذلك إلى nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك خلاف ما في مشاهير كتب أصحابه . احتجوا بما روى nindex.php?page=showalam&ids=44أبو سعيد الخدري رضي الله عنه { nindex.php?page=hadith&LINKID=84327أنه صلى الله عليه وسلم حضر جنازة فقال : هل على صاحبكم دين ؟ فقالوا : نعم درهمان ، فقال : صلوا على صاحبكم ، فقال nindex.php?page=showalam&ids=8علي رضي الله عنه : أنا لهما ضامن ، فقام صلى الله عليه وسلم وصلى عليه ثم أقبل على nindex.php?page=showalam&ids=8علي رضي الله عنه فقال : جزاك الله خيرا وفك رهانك كما فككت رهان أخيك ، فقيل يا رسول الله أله خاصة أم للناس كافة ؟ فقال للناس كافة } فدل أن المضمون عنه بريء من الضمان ، وللعامة قوله صلى الله عليه وسلم { nindex.php?page=hadith&LINKID=37934نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه } وقوله في خبر nindex.php?page=showalam&ids=60أبي قتادة { nindex.php?page=hadith&LINKID=13754الآن بردت جلدته } وصلاته صلى الله عليه وسلم على المضمون عنه لأنه بالضمان صار وفاء ، وإنما امتنع عن nindex.php?page=treesubj&link=1042الصلاة على مديون لم يخلف وفاء ، وقوله " فك الله رهانك " لأنه كان بحال لا يصلى عليه ، فلما ضمن عنه فكه عن ذلك . ولا يخفى أنه لم يقع الجواب بعد ، فإن الدليل يتم بصلاته عقيب ضمان علي إذ يدل على أن الضمان تم بذلك