الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 444 ] ( وإذا شهدا على رجل أنه سرق بقرة واختلفا في لونها قطع ، وإن قال أحدهما بقرة وقال الآخر ثورا لم يقطع ) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله ( وقالا : لا يقطع في الوجهين ) جميعا ، وقيل الاختلاف في لونين يتشابهان كالسواد والحمرة لا في السواد والبياض ، وقيل هو في جميع الألوان . لهما أن السرقة في السوداء غيرها في البيضاء فلم يتم على كل فعل نصاب الشهادة وصار كالغصب بل أولى ، لأن أمر الحد أهم وصار كالذكورة والأنوثة . وله أن التوفيق ممكن لأن التحمل في الليالي من بعيد واللونان يتشابهان أو يجتمعان في واحد فيكون السواد من جانب وهذا يبصره والبياض من جانب آخر وهذا الآخر يشاهده [ ص: 445 ] بخلاف الغصب لأن التحمل فيه بالنهار على قرب منه ، والذكورة والأنوثة لا يجتمعان في واحدة ، وكذا الوقوف على ذلك بالقرب منه فلا يشتبه .

التالي السابق


( قوله وإذا شهدا إلخ ) صورتها : ادعى على رجل أنه سرق له بقرة ولم يذكر لها لونا وأقام بينة فشهد أحدهما [ ص: 445 ] بسرقته الحمراء والآخر سوداء . قال أبو حنيفة رحمه الله : تقبل ويقطع ، وقالا هما والأئمة الثلاثة لا يقطع ، ولو أن المسروق منه عين لونا كحمراء فقال أحدهما سوداء لم يقطع إجماعا لأنه كذب أحد شاهديه ، ولا فرق فيما إذا لم يعين المدعي لونا بين كون اللونين اللذين اختلفا فيهما متقاربين كالسواد والحمرة أو متباعدين كالبياض والسواد في ثبوت الخلاف . وقيل في المتباعدين الاتفاق على عدم القبول والأصح الأول ، ولم يذكر المصنف تصحيحه وذكره في المبسوط والظهيرية ، وعلى الخلاف المذكور لو ادعى سرقة ثوب مطلقا فقال أحدهما هروي والآخر مروي ، ولو اختلفا في الزمان والمكان لم تقبل إجماعا لما ذكرنا من الفرق بين السرقة والغصب بقليل تأمل . لهما أنهما اختلفا في المشهود به فلم يوجد على كل منهما نصاب شهادة فكان كما لو اختلفا في ذكورتها وأنوثتها أو في قيمتها لا تقبل كذا هذا . وأيضا بطريق الدلالة في الغصب فإنهما لو شهدا على غصب بقرة فقال أحدهما سوداء أو حمراء والآخر بيضاء لم تقبل مع أنه لا يتضمن قبولها إثبات حد فلأن لا تقبل فيما يوجب حدا أولى لأن الحد أعسر إثباتا فإنه لا يثبت بشهادة النساء . وأما ما زيد من أنه لا يثبت بأقل من أربعة فليس مما فيه الكلام : أعني السرقة بل يخص الزنا .

ولأبي حنيفة أن بمجرد شهادتهما بسرقة بقرة وهو المدعى به بلا ذكر المدعي لونا خاصا يثبت الحد ، ولم يقع فيه اختلاف بل وقع فيما ليس من نفس المشهود به ، وهذا لأنهما لم يكلفا علم لونها ، فإنهما لو قالا لا نعلم لونها لا تسقط شهادتهما ويجب الحد ، واختلافهما في أمر زائد لا يلزمهما مما ليس مدعى به لا يبطل الحد ، كما لو اختلفا في ثياب السارق فقال أحدهما سرقها وعليه ثوب أحمر وقال الآخر أبيض فإنه يقطع ، وكما لو اختلفا في مكان الزنا من البيت فقال أحدهما في هذه الزاوية وقال الآخر في تلك فإنه يحد ، وعلى هذا فلا حاجة في قبولها إلى التوفيق كما [ ص: 446 ] فهمه العلامة السرخسي ، غير أنا تبرعنا بالتوفيق بما ذكر من أن السرقة تكون غالبا ليلا ونظر الشاهد إليه من بعيد ، وذلك سبب اشتباه اللون إذا كانا متقاربين كالسواد والحمرة وقد يجتمعان وإن كانا متباعدين في البلقاء فيرى كل لونا غير الآخر فيحمل اختلافهما على أحد الأمرين ، فعلى الأول أو الثاني إذا اختلفا في المتقاربين ، وعلى الثاني فقط في المتباعدين . بخلاف الغصب فإنه يقع نهارا فلا اشتباه فيه ، وبخلاف الذكورة والأنوثة لأنهما يكلفان معرفة ذلك لتعلم القيمة فيعلم أن المسروق بلغ نصابا أو لا ، ولأن ذكره الذكورة دليل على أنه رآه من قريب وتحقق بحيث لا يشتبه عليه الحال فلا يتم ذلك التوفيق ، فالاختلاف وإن كان في زيادة فقد شغب بها على نفسه فظهر أن هذا التوفيق ليس احتياطا لإثبات الحد ، كما لم يكن التوفيق في اختلافهما في مكان الزنا من البيت بأنهما قد ينتقلان بحركة الوطء من مكان إلى مكان احتياطا لإثباته ، ولا أن وجه قولهما أدق وأحق من قوله كما ظنه صاحب الأسرار . وما قيل إن التوفيق لإثبات الحقوق واجب فيفعل ثم يجب الحد حينئذ ضرورة ثبوت السرقة حينئذ إن لم يصح منع وجوبه مطلقا بل إذا لم يستلزم وجوب حد




الخدمات العلمية