الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 214 ] ( ومن أقام البينة أن له على فلان كذا وأن هذا كفيل عنه بأمره فإنه يقضى به على الكفيل وعلى المكفول عنه ، وإن كانت الكفالة بغير أمره يقضى على الكفيل خاصة ) [ ص: 215 ] وإنما تقبل لأن المكفول به مال مطلق ، بخلاف ما تقدم ، وإنما يختلف بالأمر وعدمه لأنهما يتغايران ، لأن الكفالة بأمر تبرع ابتداء ومعاوضة انتهاء ، وبغير أمر تبرع ابتداء وانتهاء ، فبدعواه أحدهما لا يقضى له بالآخر ، وإذا قضي بها بالأمر ثبت أمره ، وهو يتضمن [ ص: 216 ] الإقرار بالمال فيصير مقضيا عليه ، والكفالة بغير أمره لا تمس جانبه لأنه تعتمد صحتها قيام الدين في زعم الكفيل فلا يتعدى إليه ، وفي الكفالة بأمره يرجع الكفيل بما أدى على الآمر . وقال زفر رحمه الله : لا يرجع ; لأنه لما أنكر فقد ظلم في زعمه فلا يظلم غيره ونحن نقول صار مكذبا شرعا فبطل ما زعمه .

التالي السابق


( قوله ومن أقام البينة ) صورتها في الجامع . وقال يعقوب ومحمد رحمهما الله : إذا كفل عن رجل بمال مؤجل بأمر المكفول عنه فغاب المكفول عنه فجاء الطالب بالكفيل فأقام عليه بينة أن له على فلان كذا وأن هذا كفل له بأمر فلان عن فلان فإني أقضي بشهادتهم بالمال على هذا وعلى المكفول عنه الغائب ، فإن كانت الكفالة بغير أمر الغائب قضيت بالمال على الكفيل ولم يكن الكفيل بخصم [ ص: 215 ] عن الغائب انتهى . يعني فلا يقع القضاء على الأصيل ، وإنما خص قولهما بالذكر لأنه لم يحفظ عن أبي حنيفة نصا لا أن في المسألة اختلافا .

( وإنما قبلت ) هذه البينة ولم تقبل فيما قبلها ( لأن المكفول به ) هنا ( مال مطلق ) ودعوى المدعي مطلقة أيضا فصحت فقبلت البينة لأنها بناء على صحة الدعوى ( بخلاف ما قبلها ) لأن المكفول به هناك مال مقيد بكون وجوبه بعد الكفالة وإن كان مقيدا بخصوص كمية ولم يطابقها دعوى للمدعي ولا البينة ( وإنما اختلف ) القضاء ( بالأمر وعدمه ) حتى يقع القضاء عليهما في الأمر فيرجع الكفيل ، ولو حضر الغائب لا يحتاج إلى إقامة البينة عليه بالمال لأنه قد قضى عليه به وعلى الكفيل وحده إذا لم يكن أمر فلا يرجع ( لأنهما ) أي الكفالة بالأمر وبغير الأمر ( يتغايران لأن الكفالة بالأمر تبرع ابتداء ومعاوضة انتهاء ، وبغير الأمر تبرع ابتداء وانتهاء فدعواه أحدهما ) وهو مجرد التبرع ابتداء وانتهاء ( لا يقضى له بالآخر ) وهو المعاوضة ليثبت له الرجوع ويكون الغائب مقضيا عليه ( وإذا قضي بها ) أي بالبينة ( بالأمر ثبت أمره ) أي أمر المكفول عنه .

( وأمره يتضمن [ ص: 216 ] إقرار الأصيل بالمال ) إذ لا يأمر غيره بقضاء ما عليه إلا وهو معترف بأن عليه للمقضي له دينا ( فيصير مقضيا عليه بخلاف الكفالة بغير أمره ) فإنها ( لا تمس جانبه ) أي جانب الأصيل ( لأن صحة الكفالة ) بلا أمر المكفول ( إنما تعتمد قيام الدين في زعم الكفيل فلا يتعدى إلى الأصيل ) إذ زعمه لا يلزم غيره ( ثم في الكفالة بأمره يرجع الكفيل بما أدى على الآمر ) حيث ثبت الأمر ( وقال زفر رحمه الله : لا يرجع لأنه لما أنكر فقد ظلم في زعمه فلا يظلم غيره ) وهو الأصيل ( ونحن نقول ) قد ( صار ) الكفيل في إنكاره الدين على الأصيل ( مكذبا شرعا ) بقيام البينة بخلافه ( فيبطل زعمه ) فيثبت حكم الكفالة بالأمر ، وهذا كمن اشترى عبدا واعترف بأنه ملك البائع ثم استحق بالبينة فإنه يرجع على البائع بثمنه وإن كان معترفا بأن البائع ظلم .

واستشكل عليه قول محمد فيمن اشترى عبدا فباعه فرد عليه بعيب بالبينة بعد إنكاره العيب ; فعند محمد لا يرده على بائعه خلافا لأبي يوسف فلم يبطل زعمه بالقضاء بالبينة . أجيب بأنه إنما لا يرد لأن قوله لا عيب فيه نفي للعيب في الحال والماضي ، والقاضي إنما كذبه في قيام العيب عند البيع الثاني دون الأول لأن قيام العيب عند البيع الأول ليس شرطا للرد على الثاني .

وفي الجامع الكبير جعل المسألة على أربعة أوجه فقال : إما أن تكون الكفالة مطلقة نحو أن يقول : كفلت بمالك على فلان ، أو مقيدة نحو أن يقول كفلت لك عن فلان بألف درهم ، وكل وجه على وجهين : إما أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه أو بغير أمره فإن كانت مطلقة فالقضاء على الكفيل قضاء على الأصيل سواء كانت بأمره أو بغير أمره لأن الطالب لا يتوصل إلى إثبات حق الكفيل إلا بعد إثباته على الأصيل لما ذكرنا أن القول قول الكفيل أنه ليس للطالب على الأصيل شيء ، وإذا كان كذلك صار الكفيل خصما عنه وإن كان غائبا . والمذهب عندنا أن القضاء على الغائب لا يجوز إلا إذا ادعى على الحاضر حقا لا يتوصل إليه إلا بإثباته على الغائب .

قال مشايخنا : وهذا طريق من أراد إثبات الدين على الغائب من غير أن يكون بين الغائب والكفيل اتصال ، وكذا إذا خاف الطالب موت الشاهد بتواضع مع رجل ويدعي عليه مثل هذه الكفالة فيقر الرجل بالكفالة وينكر الدين فيقيم المدعي البينة على الدين فيقضى به على الكفيل والأصيل ثم يبرأ الكفيل ، وكذا الحوالة على هذه الوجوه ، وكذا كل من ادعى حقا [ ص: 217 ] لا يثبت على المدعى عليه إلا بالقضاء على الغائب يكون الحاضر خصما عن الغائب ; كمن قذف رجلا فادعى المقذوف الحد فقال القاذف : قذفته وهو عبد فأقام المقذوف عليه بينة أنه كان عبدا لفلان وأنه أعتقه قضي بعتقه على فلان لأنه ادعى حقا وهو الحد لا يتوصل إلى إثباته إلا بإثبات العتق فصار القاذف خصما عن فلان سيد العبد الغائب ويثبت القضاء عليه ، وكذا عبد مأذون عليه دين فقال رجل لصاحب الدين : أنا ضامن لدينك إن أعتقه مولاه فأعتقه ثم أقام صاحب الدين بينة أن مولاه أعتقه بعد كفالة الكفيل وإن كان فيه قضاء على الغائب وقضاء للغائب ، وهذا كله استحسان استحسنه علماؤنا صيانة للحقوق .




الخدمات العلمية