الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 940 ص: وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا سَعِيدٍ وَأَبَا مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَخَّرَهَا إِلَى ثُلْثِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّاهَا، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : صَلَّاهَا فِي وَقْتٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَلَّاهَا قَبْلَ مُضِيِّ اللَّيْلَةِ فَيَكُونُ مُضِيُّ الثُّلْثِ هُوَ آخِرَ وَقْتِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَلَّاهَا بَعْدَ الثُّلُثِ فَيَكُونُ قَدْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ وَقْتِهَا بَعْدَ خُرُوجِ الثُّلْثِ، فَلَمَّا احْتَمَلَ ذَلِكَ نَظَرْنَا فِيمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: ثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ" . حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، قَالَ: ثَنَا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ ، قَالَ: ثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: "وَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ شُعْبَةُ : حَدَّثَنِيهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ رَفَعَهُ مَرَّةً وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَيْنِ - ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ مَا بَعْدَ ثُلْثِ اللَّيْلِ أَيْضًا هُوَ وَقْتٌ مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. شرح معاني الآثار ش: تَحْرِيرُ هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ذَكَرُوا فِي أَحَادِيثِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَخَّرَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ إِلَى ثُلْثِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّاهَا، وَأَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتٍ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: هُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- صَلَّاهَا قَبْلَ مُضِيِّ الثُّلْثِ فَيَكُونُ مُضِيُّ ثُلْثِ اللَّيْلِ هُوَ آخِرَ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَلَّاهَا بَعْدَ الثُّلُثِ فَيَكُونُ قَدْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ ذَلِكَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الثُّلْثِ، فَلَمَّا احْتَمَلَ؛ نَظَرْنَا، فَوَجَدْنَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : "وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ". يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ ثُلْثِ اللَّيْلِ أَيْضًا وَقْتٌ مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : "وَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ. قُلْتُ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، فَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : وَقْتُهَا إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَفِي رِوَايَةٍ بُرَيْدَةَ : "أَنَّهُ صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلْثُ اللَّيْلِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "عِنْدَمَا ذَهَبَ ثُلْثُ اللَّيْلِ". وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى : "حِينَ كَانَ ثُلْثُ اللَّيْلِ". وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ" وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "إِلَى ثُلْثِ اللَّيْلِ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ : "بَعْدَ هَذَا إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ ثُلْثِهِ". وَقَالَ مَرَّةً: "إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ". وَمَرَّةً: "إِلَى ثُلْثِ اللَّيْلِ". وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ : "بَعْدَ هَذَا شَطْرَهُ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : "حَتَّى ذَهَبَ ثُلْثُهُ". وَاخْتُلِفَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ ، فَقِيلَ: إِلَى شَطْرِهِ، وَقِيلَ: إِلَى ثُلْثِهِ. وَجَاءَ فِي "الْأُمِّ": بَعْدَ هَذَا عَنْهُ: "إِذَا اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا أَبْطَأُوا آخَّرَ". وَفِي حَدِيثِعَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلُ". وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِحَسْبِ هَذَا فَقَالَ عِيَاضٌ : وَبِالثُّلْثِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَبِالنِّصْفِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَعَنِ النَّخَعِيِّ الرُّبْعُ، وَهُوَ نَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: "بَعْدَ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ" وَقِيلَ: وَقْتُهَا إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَقْتُ الضَّرُورَةِ لَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ وَتَعْيِينِ الْخِطَابِ عَلَى الْمُصَلِّي فِي أَوْقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ : أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَأَنَّ الْجَمِيعَ وَقْتٌ مُوَسَّعٌ لِلْوُجُوبِ، وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ مِنْهُ مُتَعَيِّنٌ، وَإِنَّمَا يُعَيِّنُهُ الْمُكَلَّفُ بِفِعْلِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يُبَدَّلُ وَهُوَ الْعَزْمُ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ تَرْكَهَا بِغَيْرِ بَدَلٍ - لِتَوَسُّعِهِ وَقْتَهَا - إِلَى أَنْ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا تَفْعَلُ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ أَوَّلُهُ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ آخِرُهُ فَصْلًا بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَيُعَارِضُ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ التَّأْثِيمَ يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَلَا يُؤَثِّمُ أَحَدٌ تَارِكَ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِهِ، وَيُعَارِضُ هَؤُلَاءِ بِالْإِجْمَاعِ إِلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ. وَسُقُوطِهَا عَمَّنْ صَلَّاهَا حِينَئِذٍ وَلَوْ كَانَتْ لَمْ تَجِبْ؛ لَمْ تُجْزِئْ كَمَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ الْوَقْتِ. انْتَهَى. قُلْتُ: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا عِنْدُهُمْ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ الْوَقْتِ، وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ مِنْهُ إِلَّا الْجُزْءُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ، فَإِنِ اتَّصَلَ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ كَانَ هُوَ السَّبَبَ، وَإِلَّا تَنْتَقِلُ السَّبَبِيَّةُ إِلَى الْجُزْءِ الثَّانِي، ثُمَّ إِلَى الثَّالِثِ، ثُمَّ... وَثُمَّ... إِلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ عَقْدِ التَّجْزِئَةِ فَتَتَعَيَّنُ السَّبَبِيَّةُ فِيهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَجْزَاءِ مَا يَحْتَمِلُ انْتِقَالَ السَّبَبِيَّةِ إِلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ حَالُ الْمُكَلَّفِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْجُنُونِ وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ وَالطُّهْرِ وَالْحَيْضِ عِنْدَ ذَلِكَ الْجُزْءِ فِي حُدُوثِ الْعَوَارِضِ الْمَذْكُورَةِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ طَهُرَتِ الْحَائِضُ فِي آخِرِ الْجُزْءِ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّ عِنْدَهُ تَنْتَقِلُ السَّبَبِيَّةُ مِنْ جُزْءٍ إِلَى جُزْءٍ إِلَى أَنْ يَتَضَيَّقُ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُ مِنَ الْأَدَاءِ، حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَيْءٌ عِنْدَهُ مَا لَمْ يَجِدُوا وَقْتًا تَسَعُ فِيهِ حَقِيقَةُ الْأَدَاءِ. ثُمَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مَرَّتَيْنِ غَيْرَ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّهُ قَطَّعَ حَدِيثَهُ؛ تَطْبِيقًا لِلدَّلِيلِ عَلَى الْمُدَّعَى وَاقْتِصَارًا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا الْبَابِ بِعَيْنِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا رِجَالَهُمَا وَمَنْ أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ هُنَاكَ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية