الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1113 ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا وهب بن جرير ، قال: ثنا شعبة ، عن مهاجر أبي الحسن ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر قال: "كنا مع النبي -عليه السلام- في منزل، فأذن بلال ، فقال رسول الله -عليه السلام-: مه يا بلال ، ثم أراد أن يؤذن، فقال: مه يا بلال ، حتى رأينا فيء التلول، ثم قال رسول الله -عليه السلام-: " إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة إذا اشتد الحر " .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من استحباب إبراد الظهر في الصيف ، بحديث أبي ذر -رضي الله عنه-.

                                                أخرجه بإسناد صحيح.

                                                ومهاجر أبو الحسن التيمي الكوفي الصائغ ؛ روى له الجماعة سوى ابن ماجه ، وزيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي ، رحل إلى النبي -عليه السلام- فقبض وهو في الطريق؛ روى له الجماعة.

                                                وأبو ذر اسمه جندب بن جنادة .

                                                وأخرجه البخاري : حدثنا ابن بشار ، قال: ثنا غندر ، قال: ثنا شعبة ، عن المهاجر أبي الحسن ، سمع زيد بن وهب ، عن أبي ذر : "أذن مؤذن النبي -عليه السلام- الظهر، [ ص: 444 ] فقال: أبرد، أبرد - أو قال: انتظر، انتظر - وقال: شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، حتى رأينا فيء التلول" .

                                                وقال أيضا: ثنا آدم بن أبي إياس [قال: حدثنا شعبة ]، قال: ثنا مهاجر أبو الحسن - مولى لبني تيم الله - قال: سمعت زيد بن وهب ، عن أبي ذر الغفاري قال: "كنا مع النبي -عليه السلام- في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي -عليه السلام-: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي -عليه السلام-: إن شدة الحر من فيح جهنم؛ فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" .

                                                وأخرجه مسلم : حدثني محمد بن المثنى ، قال: حدثني محمد بن جعفر ، قال: ثنا شعبة ، قال: سمعت مهاجرا أبا الحسن يحدث، أنه سمع زيد بن وهب يحدث، عن أبي ذر قال: "أذن مؤذن رسول الله -عليه السلام- بالظهر، فقال النبي -عليه السلام-: أبرد، أبرد؛ أو قال: انتظر، انتظر..." إلى آخره نحو رواية البخاري .

                                                وأخرجه أبو داود : نا أبو الوليد الطيالسي ، نا شعبة ، أخبرني أبو الحسن ، قال: سمعت زيد بن وهب يقول: سمعت أبا ذر يقول: "كنا مع النبي -عليه السلام-، فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال: أبرد - مرتين أو ثلاثا - حتى رأينا فيء التلول، ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم؛ فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" .

                                                وأخرجه الترمذي : ثنا محمود بن غيلان ، قال: ثنا أبو داود الطيالسي ، قال: أنبأنا شعبة ، عن مهاجر أبي الحسن ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر : "أن رسول الله -عليه السلام- كان في سفر ومعه بلال ، فأراد أن يقيم، فقال: أبرد، ثم أراد أن يقيم، فقال [ ص: 445 ] رسول الله -عليه السلام-: أبرد في الظهر، قال: حتى رأينا فيء التلول، ثم أقام فصلى، فقال رسول الله -عليه السلام- إن شدة الحر من فيح جهنم؛ فأبردوا عن الصلاة" .

                                                قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

                                                قوله: "فأذن بلال " أراد به: فأقام؛ لأن الإقامة يطلق عليها الأذان ؛ والدليل عليه رواية الترمذي : "فأراد أن يقيم"؛ لأنه -عليه السلام- ما منعه عن الأذان في أول الوقت؛ وإنما منعه عن إقامته الصلاة في شدة الحر، وكذلك المراد من قوله: "فأراد أن يؤذن "معناه: أن يقيم، أو يكون المعنى: فأراد أن يؤذن كما صرح به في رواية أبي داود .

                                                قوله: "مه" أي اكفف، ودع الإقامة في هذا الوقت؛ وهذا من أسماء الأفعال ك "صه" فإن معناه اسكت، وهو يستعمل مع الفرد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وينون فيكون نكرة، ويترك تنوينه فيكون معرفة.

                                                قوله: "حتى رأينا فيء التلول" أي: ظلها، والتلول جمع تل - بتشديد اللام - ويجمع على تلال أيضا.

                                                قوله: "من فيح جهنم" بفاء مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وحاء مهملة؛ أي سطوع حرها وانتشاره وغليانها؛ وأصله في كلامهم: السعة والانتشار، ومنه قولهم في الغارة "فيحي فياح"، ومكان أفيح أي واسع، وأرض فيحاء أي: واسعة. وللكلام وجهان: حقيقي: وهو أن تكون شدة حر الصيف من وهج حر جهنم على الحقيقة، وروي "أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسين: نفس في الصيف، ونفس في الشتاء؛ فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف فهو من نفسها، وأشد ما تجدونه من البرد في الشتاء فهو منها" .

                                                ومجازي: وهو أن يكون هذا الكلام من باب التشبيه؛ أي كأنه نار جهنم من الحر؛ فاحذروها واجتنبوا ضررها. وقد قيل: روي: "فإن شدة الحر من فتح جهنم" [ ص: 446 ] من فتح الباب، أراد أن جهنم تفتح في ذلك الوقت؛ فتكون شدة الحر من وهج حر جهنم.

                                                قوله: "فأبردوا بالصلاة" أراد بها الظهر؛ لأن في شدة الحر لا يكون إلا وقت الظهر؛ ومعناه: أخروها عن وقت الهاجرة إلى حين برد النهار، وانكسار وهج الحر.

                                                وقال بعض أهل اللغة: أراد صلوها في أول وقتها، وبرد النهار أوله.

                                                قلت: هذا تأويل بعيد ينافيه قوله: "حتى رأينا فيء التلول".

                                                وقال الخطابي : ومن تأوله على بردي النهار، فقد خرج عن جملة قول الأمة.

                                                قال عياض : معنى "أبردوا بالصلاة" ادخلوا بها في وقت البرد، وهو آخر النهار؛ لأن حال ذلك الوقت بالإضافة إلى حر الهاجرة برد؛ يقال: أبرد الرجل: صار في برد النهار، وأبرد الرجل كذا: وفعله فيه.

                                                قوله: "أبردوا عن الصلاة" كما جاء في بعض الروايات: معناه بالصلاة، وعن تأتي بمعنى الباء، كما قيل: "رميت عن القوس"، أي به، كما تأتي الباء بمعنى عن، وقيل: في قوله تعالى: فاسأل به خبيرا أي: عنه، وقد تكون "عن" ها هنا زائدة، أي أبردوا الصلاة.

                                                ويستفاد منه:

                                                استحباب تأخير الظهر إلى وقت البرودة في الصيف ، وبه استدل أصحابنا على ذلك، وحديث خباب ونحوه منسوخ بحديث الإبراد، على ما يأتي إن شاء الله، ويقال: الإبراد رخصة والتقديم أفضل، واعتمدوا على حديث خباب وحملوا حديث الإبراد على الرخصة والتخفيف في التأخير، وهو قول بعض الشافعية .

                                                وأن جهنم مخلوقة اليوم، خلافا لمن يقول من المعتزلة وغيرهم: إنها لم تخلق بعد.

                                                [ ص: 447 ] وأن شدة حر الصيف في الدنيا من حر جهنم.



                                                الخدمات العلمية