الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1024 ص: وذهب أيضا من ذهب إلى أنها غير العصر ، أنه قد روي عن النبي -عليه السلام- ما يدل على ذلك، فذكروا ما قد حدثنا علي بن معبد ، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، قال: حدثني أبي، عن أبي إسحاق ، قال: ثنا أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى عبد الله بن عمر ، أن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حدثهما: "أنه كان يكتب المصاحف على عهد أزواج النبي -عليه السلام-، قال: فاستكتبتني حفصة ابنة عمر -رضي الله عنهما- زوج النبي -عليه السلام- مصحفا، وقالت لي: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني فأملها عليك كما حفظتها من النبي -عليه السلام-، قال: فلما بلغتها أتيتها بالورقة التي أكتبها، فقالت: اكتب: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .

                                                حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال: أنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن زيد بن أسلم ، عن عمرو بن رافع ... مثله عن حفصة ، غير أنها لم تذكر عن النبي -عليه السلام-.

                                                التالي السابق


                                                ش: "من ذهب" فاعل قوله: "وذهب".

                                                قوله: "إلى أنها" أي: إلى أن الصلاة الوسطى غير العصر ، وهذا يشمل من يقول: إنها الصبح، ومن يقول: إنها الظهر، وغيرها ممن يقول غير العصر.

                                                قوله: "أنه" في موضع التعليل، أي: لأنه قد روي عن النبي -عليه السلام- ما يدل على ذلك، أي على كون الصلاة الوسطى غير العصر، وهو أن إملاء حفصة بنت عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- على عمرو بن رافع : "اكتب: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" يدل على أن العصر ليست بالصلاة الوسطى، وأنها غير العصر؛ لأنها عطفت على الصلاة الوسطى، فتكون غيرها؛ لاقتضاء العطف المغايرة.

                                                [ ص: 322 ] ثم إنه أخرج حديث حفصة من طريقين صحيحين: أولهما: مرفوع، والآخر موقوف.

                                                فالأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد القرشي الزهري المدني ، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهم- المدني نزيل بغداد ، عن محمد بن إسحاق المدني ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم- المعروف بالباقر ، وعن نافع مولى عبد الله بن عمر ، كلاهما عن عمرو بن رافع المدني ... إلى آخره.

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه": بهذا الإسناد بعينه، وفيه مخالفة للرواية السالفة من حديث أحمد بن خالد ، ثنا ابن إسحاق ، عن أبي جعفر محمد بن علي ونافع ، كلاهما عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب قال: "كنت أكتب المصاحف فاستكتبتني حفصة بنت عمر مصحفا لها، فقالت: أي بني، إذا انتهيت إلى هذه الآية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فلا تكتبها حتى تأتيني فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله -عليه السلام-، فلما انتهيت إليها حملت الورقة والدواة حتى جئتها، فقالت: اكتب: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر وقوموا لله قانتين" .

                                                وهذا كما ترى مخالف للأول، ونبه الذهبي على أن الرواية الأولى - أعني التي أخرجها الطحاوي - هي الأصح".

                                                والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري ، عن عبد الله بن وهب المصري ، عن مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن عمرو بن رافع ... إلى آخره.

                                                وأخرجه مالك في "الموطإ": عن زيد بن أسلم ، عن عمرو بن رافع ، أنه قال: "كنت أكتب مصحفا لحفصة أم المؤمنين، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني [ ص: 323 ] حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" .

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه": عن ابن جريج ، قال: أخبرني نافع : "أن حفصة زوج النبي -عليه السلام- دفعت مصحفا إلى مولى لها يكتبه، وقالت: إذا بلغت هذه الآية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فآذني، فلما بلغها جاءها، فكتبت بيدها: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين .

                                                وأخرج أيضا عن داود بن قيس : أنه سمع عبد الله بن رافع يقول: "أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفا، وقالت: إذا بلغت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فأخبرني، فأخبرتها، فقالت: اكتب: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" وكلاهما موقوف.

                                                وقال أبو عمر : حديث حفصة هذا قد اختلف في رفعه، ومتنه أيضا، وممن رفعه عن زيد : هشام بن سعد ، ورواه سنيد عن هشيم ، وقال فيه: "والصلاة الوسطى صلاة العصر "بغير واو، وهذا خلاف ما روي عنها: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" بالواو.

                                                وقال البيهقي : الوقف أثبت من الرفع.

                                                قوله: "على عهد أزواج النبي -عليه السلام- " أي على زمنهن وأيامهن.

                                                قوله: "استكتبتني" من الاستكتاب، وهو طلب الكتابة.

                                                قوله: "آذني" بالمد أي أعلمني، من آذن يؤذن إيذانا، إذا أعلم.

                                                قوله: "فأملت علي" أي: لقنت علي ما أكتبه .




                                                الخدمات العلمية