الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                881 ص: فكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون قوله "فقولوا مثل ما يقول حتى يسكن" أي فقولوا مثل ما ابتدأ به الأذان من التكبير وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حتى يسكت فيكون التكبير والشهادة هما المقصود إليها بقوله: "فقولوا مثل ما يقول" وقد قصد إلى ذلك في حديث أبي هريرة .

                                                حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال: ثنا عبد الله بن رجاء عن عباد بن إسحاق عن ابن شهاب (ح).

                                                [ ص: 111 ] وحدثنا أحمد قال: ثنا مسدد قال: ثنا بشر بن المفضل ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي -عليه السلام- قال: " إذا تشهد المؤذن فقولوا مثل ما يقول " .

                                                التالي السابق


                                                ش: أشار أولا إلى الجواب عما تمسكت به أهل المقالة الأولى في وجوب قول السامع مثل قول المؤذن حتى يسكت، ثم ذكر الأحاديث التي يتمسك بها أهل المقالة الثانية.

                                                تحرير الجواب: أنه قد يجوز أن يكون معنى قوله: "فقولوا مثل ما يقول حتى يسكت " فقولوا مثل ما ابتدأ به من التكبير والشهادتين حتى يسكت فيكون المقصود في قوله: "فقولوا مثل ما يقول" هو التكبير والشهادتين، والدليل على صحة هذا التأويل حديث أبي هريرة ، عن النبي -عليه السلام- قال: "إذا تشهد المؤذن فقولوا مثل ما يقول " فإنه اقتصر ها هنا على القول بمثل ما يقول المؤذن في الشهادتين.

                                                وجواب آخر عن أحاديثهم: أنها مخصوصة بأحاديث عمر بن الخطاب وأبي رافع ومعاوية -رضي الله عنهم- على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

                                                ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن أحمد بن داود المكي ، عن إبراهيم بن محمد بن العباس الشافعي المكي ابن عم الإمام الشافعي وثقه الدارقطني وغيره، عن عبد الله بن رجاء المكي ، عن عباد بن إسحاق وهو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني ويسمى باسمين: عباد بن إسحاق ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، وكلاهما واحد، روى له البخاري مستشهدا.

                                                وهو يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه أبو حمد العدني في "مسنده": ثنا عبد الله بن رجاء ، عن عباد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة قال: قال النبي -عليه السلام-: "إذا [ ص: 112 ] قال المؤذن: الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدا رسول الله. فقال: أشهد أن محمدا رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. فقال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. فقال: لا إله إلا الله من قلبه؛ دخل الجنة" .

                                                هذا بيان ما احتجت به أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وقد احتجوا في ذلك بأحاديث منها حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

                                                أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي المدني ، فيه مقال كثير، والفروي - بفتح الفاء وسكون الراء - نسبة إلى الجد وهو فروة جد جد إسحاق المذكور، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني روى له الجماعة، عن عمارة بن غزية بن الحارث المازني المدني روى له الجماعة، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، روى له الجماعة، عن أبيه عاصم بن عمر روى له الجماعة، عن جده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

                                                وأخرجه مسلم : حدثني إسحاق بن منصور ، قال: أنا أبو جعفر محمد بن جهضم الثقفي ، قال: نا إسماعيل بن جعفر ، عن عمارة بن غزية ، عن خبيب بن عبد الرحمن بن إساف ، عن جعفر بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر..." إلى آخره نحو رواية الطحاوي .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا محمد بن المثنى ، نا محمد بن جهضم ، نا إسماعيل بن جعفر ، عن عمارة بن غزية ، عن حفص بن عاصم بن عمر ، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- نحوه.

                                                [ ص: 113 ] وأخرجه النسائي أيضا نحوه.

                                                قوله: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله..." إلى آخره.

                                                كل نوع من هذا مثنى كما هو المشروع فاختصر -عليه السلام- من كل نوع على شطره تنبيها على باقية قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله " يجوز فيه خمسة أوجه:

                                                الأول: فتحهما بلا تنوين.

                                                والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منونا.

                                                والثالث: رفعهما منونين.

                                                والرابع: فتح الأول وترفع الثاني منونا.

                                                والخامس عكسه.

                                                "الحول" الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى قاله ثعلب وغيره، وقال بعضهم: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته وحكي هذا عن ابن مسعود ، وحكى الجوهري : لغة عربية ضعيفة أن يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله - بالياء - قال: والحول والحيل بمعنى.

                                                ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، قاله الأزهري .

                                                وقال الجوهري : الحولقة. فعلى الأول - وهو المشهور - الحاء والواو من الحول والقاف من القوة واللام من اسم الله.

                                                وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، ومثلها الحيعلة والبسملة والحمدلة والهيللة والسبحلة في حي على الصلاة، وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله. وقال في كتاب "اليواقيت" وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة وهي: بسمل الرجل إذا قال: بسم الله، وسبحل إذا قال: سبحان الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل [ ص: 114 ] إذا قال: حي على الفلاح ويجيء على القياس الحيصلة إذا قال: حي على الصلاة ولم يذكر، وحمدل: إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وجعفل إذا قال: جعلت فداك، زاد الثعالبي الطيقلة إذا قال: أطال الله، والدمعزة إذا قال: أدام الله عزك.

                                                وقال عياض : قوله الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تطلق على حي على الفلاح وحي على الصلاة كلها حيعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في حي على الفلاح الحيفلة - بالفاء - وهذا لم يقل، وإنما الحيعلة من قولهم حي على كذا، فكيف وهو باب مسموع لا يقاس عليه، وانظر إلى قوله: جعفل في جعلت فداك لو كان على قياس الحيعلة لقال جعلف إذ اللام مقدمة على الفاء وكذلك الطيقلة تكون اللام على القياس قبل الفاء والقاف.

                                                قوله: "من قلبه" يتعلق بقوله: "فقال أحدكم" أي قال ذلك خالصا مخلصا من قلبه لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص.

                                                قوله: "دخل الجنة" جواب قوله: "فقال أحدكم" في المعنى، وجزاء ذلك القائل.




                                                الخدمات العلمية