الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الإلهية للشمس والقمر أو لشيء آخر من أقسام الأجسام .

فإن تجاسر متجاسر على تسميته تعالى جسما من غير إرادة التأليف من الجواهر كان ذلك غلطا في الاسم مع الإصابة في نفي معنى الجسم .

التالي السابق


(ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن تعتقد الإلهية للشمس والقمر) كما ضل فيه الصابئة (أو لشيء آخر من أقسام الأجسام) كما ضل فيه الوثنية والسمنية (فإن تجاسر متجاسر على تسميته تعالى جسما من غير إرادة التأليف من الجواهر) وقال: لا كالأجسام، يعني في لوازم الجسمية كبعض الكرامية والحنابلة، حيث قالوا: هو جسم، بمعنى موجود، أو بمعنى أنه قائم بنفسه (كان ذلك غلطا في الاسم) لا في المعنى (مع الإصابة في نفي معنى الجسم) وامتناع إطلاق كل من الجسم والجوهر ظاهر على قول القائلين بالتوقيف .

وأما على القول بجواز إطلاق المشتق مما ثبت سمعا اتصافه بمعناه وما يشعر بالجلال ولم يوهم نقصا وإن لم يرد توقيف كما ذهبت إليه المعتزلة وأبو بكر الباقلاني، فخطأ أيضا; لأنه لم يوجد في السمع ما يسوغ إطلاقه; ولأن شرطه بعد السمع ألا يوهم نقصا، فيكتفون حيث لا سمع بدلالة العقل على اتصافه تعالى بمعنى ذلك اللفظ، ومن قال بإطلاق الألفاظ التي هي أوصاف دون الأسماء الجارية مجرى الأعلام، كالمصنف في "المقصد الأسنى"، والإمام الرازي، فالشرط عنده كذلك فيما أجازه دون توقيف .

واسم الجسم يقتضي النقص من حيث اقتضائية الافتقار إلى أجزائه التي يتركب منها، وهو أعظم مقتض للحدوث، فمن أطلقه عليه تعالى فهو عاص، بل قد كفره الإمام ركن الإسلام فيمن أطلق عليه اسم السبب والعلة، وهو أظهر؛ فإن إطلاقه إياه غير مكره عليه بعد علمه بما فيه من اقتضاء النقص استخفاف بجناب الربوبية، وهو كفر إجماعا، ولما ثبت انتفاء الجسمية بالمعنى المذكور ثبت انتفاء لوازمها، وانتفاء الملزوم يستلزم انتفاء لازمه المساوي، ولوازم الجسمية هي الاتصاف بالكيفيات المحسوسة بالحس الظاهر، أو الباطن من اللون والرائحة والصورة والعوارض النفسانية من اللذة والألم والفرح والغم ونحوها; ولأن هذه الأمور تابعة للمزاج المستلزم للتركيب، المنافي للوجوب الذاتي; ولأن البعض منها تغيرات وانتقالات، وهي على الباري تعالى محال، وما ورد في الكتاب والسنة من ذكر الرضا والغضب والفرح ونحوها يجب التنزيه عن ظاهره على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .



(تنبيه)

قد علم من هذه الأصول، وهي الرابع والخامس والسادس، مخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه، وهما الصفة الثالثة والرابعة من الصفات السلبية، فمخالفته تعالى للحوادث معناه: لا يماثله شيء منها مطلقا، لا في الذات، ولا في الصفات، ولا في الأفعال، وبرهانه أنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها، وذلك محال؛ لما عرفت من وجوب قدمه وبقائه; لأن كل مثلين لا بد أن يجب لكل واحد منهما ما وجب للآخر، ويستحيل عليه ما استحال عليه، ويجوز عليه ما جاز عليه، وقد وجب للحوادث الحدوث، فلو ماثلها مولانا -عز وجل- لوجب له ما وجب لها من الحدوث واستحالة القدم، ولو كان كذلك لافتقر إلى محدث، ولزم الدور أو التسلسل، وبالجملة لو ماثل تعالى شيئا في الحوادث لوجب له القدم لألوهيته، والحدوث لغرض مماثلته للحوادث، وذلك جمع بين متنافيين ضرورة .

وأما قيامه تعالى بنفسه فهو عبارة عن سلب افتقاره إلى شيء من الأشياء، فلا يفتقر إلى محل، ولا مخصص، والمراد بالمحل هنا الذات، كما درج عليه الشيخ السنوسي، لا الحيز الذي يحل فيه الجسم كما يتوهم، وإن كان يطلق عليه أيضا، والمراد بالمخصص الفاعل، فإذا القيام بالنفس هو عبارة عن الغنى المطلق، أما برهان غناه عن المحل، أي: ذات يقوم بها، فهو أنه لو احتاج إلى ذات أخرى يقوم بها لكان صفة; لأنه لا يحتاج إلى الذات إلا الصفات، والصفة لا تتصف بصفات المعاني، وهي القدرة والإرادة والعلم.. إلى آخرها، ولا بالصفات المعنوية، وهي كونه قادرا ومريدا وعالما.. إلى آخرها، فلا يكون تعالى صفة; لأن الواجب له نقيض ما وجب للصفة; لأنه يجب اتصافه بالمعاني والمعنوية، والصفة يستحيل عليها ذلك؛ إذ الصفة لو قبلت صفة أخرى يلزم ألا تعرى عنها، ولزم أن تقبل الأخرى أخرى؛ إذ لا فرق بينهما إلى غير غاية، وذلك التسلسل، وهو محال .

وبرهان غناه عن المخصص، أي: الفاعل، هو أنه لو احتاج إليه لكان حادثا، وذلك محال؛ لما تقدم من وجوب قدمه تعالى وبقائه، فتبين بهذين الغنى المطلق له - جل وعز- وهو معنى قيامه بنفسه .



(تكميل)

الموجودات بالنسبة إلى المحل والمخصص أقسام أربعة:

قسم غني عن المحل والمخصص، وهو ذاته تعالى غني عن المحل؛ لكونه ذاتا، وعن المخصص لكونه قديما باقيا.وقسم غني عن المخصص، وموجود في المحل، وهو صفاته تعالى، غنية عن المخصص، وهي ذوات الأجرام، غنية عن المحل؛ لكونها ذاتا، والذات لا تحتاج إلى محل، ومفتقرة إلى المخصص; لكونها حادثة، والحادث لا بد له من محدث.وقسم مفتقر إلى المحل والمخصص، وهي الأعراض، مفتقرة إلى المحل; لكونها أعراضا، والعرض لا يقوم بنفسه، ومفتقرة إلى المخصص لكونها حادثة، والحادث لا بد له من محدث .




الخدمات العلمية