الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
والمخالفة بين علم الله تعالى وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل .

التالي السابق


(والمخالفة بين علم الله وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل) وهذا لا يستراب فيه، وقال المصنف في "المقصد الأسنى": فإن قلت: لو كان لنا صبي أو عنين ما السبيل إلى معرفته لذة الوقاع وإدراك حقيقته؟ قلنا: ههنا سبيلان، أحدهما: أن نصفه لك حتى تعرفه، والآخر: تصبر حتى تظهر فيك غريزة الشهوة، ثم تباشر الوقاع، حتى تظهر فيك لذته فتعرفه، وهذا السبيل الثاني هو السبيل المحقق المفضي إلى حقيقة المعرفة، فأما الأول فلا يفضي إلا إلى توهم الشيء بما لا يشبهه؛ إذ غايتنا أن نمثل لذة الوقاع عنده بشيء من اللذات التي يدركها العنين، كلذة الطعام الحلو مثلا، فنقول له: أما تعرف أن السكر لذيذ، فلا تجد عند تناوله حالة طيبة وتحس في نفسك راحة؟ قال: نعم. قلنا: الجماع أيضا كذلك، أفترى أن يفهم حقيقة لذة الجماع كما هي حتى ينزل في معرفتها منزلة من ذاق تلك اللذة وأدركها؟ هيهات هيهات، وإنما غاية هذا الوصف إيهام وتشبيه ومشاركة في الاسم، لكن يقطع تلك اللذة التشبيه بأن يقال: ليس كمثله شيء ، فهو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، كما يقال: الوقاع لذيذ كالسكر، ولكن تلك اللذة لا تشبه هذه ألبتة، ولكن تشاركها في الاسم .

وكان إذا عرفنا أن الله تعالى حي عالم قدير عالم، فلم نعرف أولا إلا بأنفسنا؛ إذ الأصم لا يتصور أن يفهم معنى قولنا: إن الله سميع، ولا الأكمه معنى قولنا: إن الله بصير، وكذلك إذا قال القائل: كيف يكون الله عالما بالأشياء؟ فنقول له: كما تعلم أنت أشياء، فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه، فيعلم أولا ما هو متصف به، ثم يعلم غيره بالمناسبة إليه، فإذا كان لله تعالى وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه ولو في الاسم لم يتصور فهمه ألبتة، فما عرف [ ص: 71 ] أحد إلا نفسه، ثم قايس بين صفات الله تعالى وبين صفات نفسه، وتتعلى صفات الله وتتقدس عن أن تشبه صفاتنا .




الخدمات العلمية