الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال صلى الله عليه وسلم : " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم " وقال صلى الله عليه وسلم : " ما حدث أحد قوما بحديث لم تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم " وقال الله تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون وقال صلى الله عليه وسلم : " إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا العالمون بالله تعالى "، الحديث إلى آخره كما أوردناه في كتاب العلم .

وقال صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فليت شعري إن لم يكن ذلك سرا منع من إفشائه لقصور الأفهام عن إدراكه أو لمعنى آخر ، فلم لم يذكره لهم ولا شك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لو ذكرت تفسيره لرجمتموني .

وفي لفظ آخر : لقلتم : إنه كافر ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم .

وقال صلى الله عليه وسلم : " ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ، ولكن بسر وقر في صدره رضي الله عنه " ولا شك في أن ذلك السر كان متعلقا بقواعد الدين غير خارج منها ، وما كان من قواعد الدين لم يكن خافيا بظواهره على غيره .

التالي السابق


(وقال -صلى الله عليه وسلم-: "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم") تقدم بيانه في كتاب العلم. [ ص: 66 ]

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ما حدث أحد قوما بحديث لم تبلغه عقولهم إلا كانت فتنة عليهم") تقدم في كتاب العلم، ونسبه صاحب القوت إلى بعض السلف بلفظ: "ما من عالم يحدث قوما بعلم لم تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم"، وأورده المصنف في "إلجام العوام" بلفظ: "لا يفهمونه، كان فتنة على بعضهم" .

(وقال الله تعالى) في كتابه العزيز ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) تقدم ما يتعلق به في أول كتاب العلم (وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العالمون بالله تعالى"، الحديث) أي: إلى آخره، وهو: "فإذا علموه لا ينكر عليهم إلا أهل الغرة بالله تعالى" (كما أوردناه في كتاب العلم) ووسعنا الكلام عليه هنالك، ويوجد هنا في بعض النسخ قبل هذا الحديث، وقال أبو هريرة: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. وليس ذلك في نسخة العراقي.

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: لو علمتم) كذا في النسخ الكثيرة، وفي بعضها "لو تعلمون"، وهو نسخة العراقي، وهو نص الجماعة المخرجين لهذا الحديث (ما أعلم) أي: من انتقام الله من أهل الجرائم وأهوال القيامة (لضحكتم قليلا) أي: كان ضحككم على القلة، وقيل: معناه لما ضحكتم أصلا، وهذا لمناسبة السياق; لأن "لو" حرف امتناع لامتناع (ولبكيتم كثيرا) ، وقدم الضحك; لكونه من المسرة، وفيه من أنواع البديع: مقابلة الضحك بالبكاء، والقلة بالكثرة، ومطابقة كل منهما بالآخر، وقال العراقي: أخرجاه من حديث عائشة وأنس. اهـ .

قلت: وأخرجه أيضا الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم عن أنس قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خطبة ما سمعت قط بمثلها.. ثم ذكره، وأخرج الحاكم في المستدرك من رواية يوسف بن حبان عن مجاهد عن أبي ذر رفعه: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما ساغ لكم الطعام والشراب"، وقال: على شرطهما، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بأنه منقطع، ورواه أيضا من طريقه ابن عساكر في التاريخ بتلك الزيادة، وأخرج الحاكم أيضا في كتاب الرقاق، والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء رفعه: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون ولا تدرون تنجون أو لا تنجون"، وقال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي، وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طريق ابنة أبي الدرداء عن أبيها، ولم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح، وأخرج الحاكم أيضا في الأهوال عن أبي هريرة رفعه: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، يظهر النفاق وترفع الأمانة وتقبض الرحمة ويتهم الأمين ويؤتمن غير الأمين، أناخ بكم الشر والجور والفتن كأمثال الليل المظلم"، وقال: صحيح، وأقره الذهبي.

(فليت شعري إن لم يكن ذلك سرا) باطنيا (ومنع من إفشائه) وإظهاره (لقصور الفهم عن إدراكه) وفي نسخة: "عن دركه"، (أو لمعنى آخر، فلم لم يذكره) مع أنه أمين على تبليغ ما أمر به (ولا شك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم) .

وينكشف ذلك بتسليم أصلين:

الأول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أفاض إلى الخلق ما أوحي إليه، وأنه ما كتم شيئا من الوحي؛ فلذلك كان رحمة للعالمين، فما ترك شيئا مما يقربهم إلى رضا الله تعالى إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا مما يسخط الله إلا حذرهم ونهاهم عنه في العلم والعمل جميعا .

الثاني: إن أعرف الناس بمعاني كلامه وأحراهم بالوقوف على كنه درك أسراره الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وصحبوه ولازموه متشمرين لتلقي ما يقوله بالقبول للعمل به أولا، والنقل إلى من بعدهم ثانيا، والتقرب إلى الله بسماعه وحفظه ونشره، وهم الذين حضهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السماع والفهم والحفظ والأداء، فقال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها"، الحديث (وقال ابن عباس رضي الله عنه) في تفسير (قوله عز وجل: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ) ما نصه: (لو ذكرت تفسيره) كما علمته (لرجمتموني) أي: لم تحتمل عقولكم لدركه فتنكرون علي ذلك (وفي لفظ آخر: لقلتم: إنه كافر، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في صدره") تقدم في كتاب العلم (ولا شك في أن ذلك كان متعلقا بقواعد الدين غير خارج عنها، وما كان من قواعد الدين لم يكن خافيا بظواهرها على غيره) . [ ص: 67 ] من الصحابة رضوان الله عليهم .




الخدمات العلمية