الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وهذا فيه تحقيق ، وهو أن طبع كل مائع أن يقلب إلى صفة نفسه كل ما يقع فيه وكان مغلوبا من جهته فكما ترى الكلب يقع في المملحة فيستحيل ملحا ويحكم بطهارته بصيرورته ملحا وزوال صفة الكلبية عنه فكذلك الخل يقع في الماء وكذا اللبن يقع فيه وهو قليل فتبطل صفته ويتصور بصفة الماء وينطبع بطبعه إلا إذا كثر وغلب وتعرف غلبته بغلبة طعمه أو لونه أو ريحه فهذا المعيار .

وقد أشار الشرع إليه في الماء القوي على إزالة النجاسة وهو جدير بأن يعول عليه فيندفع به الحرج ويظهر به معنى كونه طهورا إذ يغلب عليه فيطهره كما صار كذلك فيما بعد القلتين وفي الغسالة وفي الماء الجاري وفي إصغاء الإناء للهرة ولا تظن ذلك عفوا إذ لو كان كذلك لكان كأثر الاستنجاء ودم البراغيث حتى يصير الماء الملاقي له نجسا ولا ينجس بالغسالة ولا بولوغ السنور في الماء القليل .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا يحمل خبثا فهو في نفسه مبهم فإنه يحمل إذا تغير .

فإن قيل : أراد به إذا لم يتغير فيمكن أن يقال إنه أراد به أنه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتادة ثم هو تمسك بالمفهوم فيما إذا لم يبلغ قلتين وترك المفهوم بأقل من ألأدلة التي ذكرناها ممكن، وقوله: "لا يحمل خبثا" ظاهره نفي الحمل أي يقلبه إلى صفة نفسه كما يقال للمملحة لا تحمل كلبا ولا غيره، أي: ينقلب ، وذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة وفي الغدران ويغمسون الأواني النجسة فيها ثم يترددون في أنها تغيرت تغيرا مؤثرا أم لا فتبين أنه إذا كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسة المعتادة .

فإن ، قلت : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحمل خبثا ومهما كثرت حملها فهذا ينقلب عليك ، فإنها مهما كثرت حملها حكما كما حملها حسا .

فلا بد من التخصيص بالنجاسات المعتادة على المذهبين جميعا .

وعلى الجملة فميلي في أمور النجاسات المعتادة إلى التساهل فهما من سيرة الأولين وحسما لمادة الوسواس وبذلك أفتيت بالطهارة فيما وقع الخلاف فيه في مثل هذه المسائل .

التالي السابق


ثم قال المصنف: (وهذا فيه تحقيق، وهو أن طبع كل مائع) الماء وغيره (أن يقلب) أي يصرف (إلى صفة نفسه كل ما يقع فيه) هو مفعول يقلب أي كل مائع، فمقتضى طبعه أن يقلب كل ما وقع فيه إلى نتن نفسه (وكان) ما يقع فيه (مغلوبا من جهته) والمائع غالبا (فكما ترى الكلب) المقول فيه بالنجاسة في مذهب المصنف (يقع في المملحة) أي معدن الملح (فيستحيل) بجميع أجزائه (ملحا ويحكم بطهارته) على الاتفاق (لصيرورته) أي انقلابه (ملحا وزوال صفة الكلبية عنه فكذلك الخل يقع في الماء و) كذلك (اللبن يقع فيه) أي في الماء (فيبطل) الماء (صفته ويتصور بصفة الماء وينطبع بطبعه) هذا إذا كان الواقع قليلا (إلا إذا كثر) ذلك الواقع (وغلب) على الماء (وتعرف غلبته) على الماء (بغلبة طعمه أو لونه أو ريحه) بحيث من ذاقه أو رآه أو شمه حكم بأنه هو (فهذا المعيار) والميزان (وقد أشار الشرع إليه في الماء القوي) الشديد الجري (على إزالة النجاسة) به، ولم ينظر إلى ملاقاته النجاسة لقوة دفعه لها (وهو جدير) أي حقيق (بأن يعول) أي يعتمد (عليه فيندفع به الحرج) والمشقة عن الأمة (فيظهر) ، وفي نسخة ويظهر (معنى كونه طهورا) في الحديث المذكور (أن يغلب غيره) بقوته فيقلبه إلى صفته (فيطهره) أي يجعله طهورا كنفسه (كما صار كذلك فيما بعد القلتين) في حملهما الخبث (و) كما صار (في الغسالة) المحكوم بطهارتها (وفي الماء الجاري وفي إصغاء الإناء للهرة) ، كما تقدم (ولا تظن أن ذلك عفو) ، وفي نسخة ولا تظن ذلك عفوا (إذ لو كان كذلك) أي لو كان من قبيل المعفوات الشرعية (لكان) نجسا، لكن يعفى عنه (كأثر الاستنجاء ودم البراغيث) ولو كثر (حتى يصير الماء الملاقي له نجسا) إن كان قليلا (ولا ينجس بالغسالة ولا بولوغ السنور في الماء القليل، وأما قوله عليه الصلاة والسلام) في حديث القلتين (لا يحمل خبثا) هو (في نفسه مبهم) يصعب على الفهم إدراكه (فإنه يحمل) الخبث (إذا تغير) فالإبهام حاصل (فإن قيل: أراد به) في الحديث لا يحمل الخبث (إذا لم يتغير فيمكن أن يقال أراد به) على هذا التقدير (أنه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتادة بوقوعها، وذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة) الكائنة (وفي الغدران) جمع غدير، وهو مستنقع الماء الذي غادره السيل (ويغمسون الأواني النجسة فيها) من أباريق وغيرها (ثم يترددون في أنها) أي تلك المياه القليلة (تغيرت) عن أوصافها (تغيرا مؤثرا أم لا فبين) في الحديث (أنه) أي الماء (إذا كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسات المعتادة) فهذا معنى قولهم في تفسير نفي الحمل إذا لم يتغير، وقد قيل في معنى الحديث غير ما ذكره المصنف، قالوا: أي لم ينجس، وقيل: لا يقبل النجاسة بل يدفعها عن بعضه، وقيل: لا يقبل حكم النجاسة، كما تقدمت الإشارة إليه (ثم هو) أي العمل بهذا الحديث (تمسك بالمفهوم) هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق (فيما إذا لم يبلغ قلتين) ، فإنه يحمل خبثا دل الحديث بمفهومه على ذلك (وترك المفهوم) أي ترك العمل به (بأقل من الأدلة) السبعة (التي ذكرناها ممكن) لا مانع منه (وقوله) في الحديث (لا يحمل خبثا فظاهره) أي منطوقه (نفي الحمل أي يقلبه إلى صفة نفسه، كما يقال المملحة لا تحمل كلبا ولا غيره) من النجاسات (أي ينقلب) ملحا وهنا في النسخ تقديم وتأخير فليتنبه لذلك (فإن قلت: فقد قال) في الحديث: (لم يحمل خبثا مهما كثرت) النجاسات (حملها فهذا ينقلب عليك، فإنها مهما كثرت حملها أيضا حكما [ ص: 334 ] كما حملها أيضا حسا، فلا بد من التخصيص بالنجاسات المعتادة على المذهبين جميعا) مالك والشافعي، ولذا قال الأصفهاني في كشف تعليل المحرر: إن ما رواه مالك مخصوص بمفهوم حديث القلتين; لأن هذا الحديث بمفهومه دل على أن ما دون القلتين يحمل خبثا (وعلى الجملة فميلي في أمور النجاسات إلى المساهلة) فيها وعدم التعمق (فهما من سيرة الأولين) وطريقة السلف الصالحين (وحسما) أي قطعا (لمادة الوسواس) ، فإن عامة الوسواس فيها (ولذلك أفتيت بالطهارة فيما وقع فيه الخلاف) بين الأئمة (من هذه المسائل) ، وكأن السائل كان يستفتيه في هذه المسائل بحسب ما أداه إليه اجتهاده وإلا فلا يجوز له أن يخالف مذهب إمامه، والمصنف رحمه الله تعالى كان ممن سلم له دعوى الاجتهاد أي في المذهب، كما ينبئه كلام كثير من أئمة مذهبه، ولعل من نظر إلى ظاهر سياقه هذا في هذا الكتاب جزم بأنه رجع في آخر عمره مالكيا وليس كذلك، وذكر الشيخ أحمد زروق في شرحه على قواعد العقائد للمصنف ما نصه: سمعت أبا عبد الله القوري يقول: قال ابن العربي في كتاب "الاقتراب في شرح الجلاب": لما تغلغل شيخنا أبو حامد في العلوم ترك العناد ورجع إلى المقصود من مذهب مالك، وقال به قال سيدي أحمد زروق: ولا يخفى ما في هذا الكلام من الحروشة والضعف، والله أعلم .

قلت: ابن العربي كان ممن شاهد المصنف وأخذ عنه، وكأنه أشار بكلامه المذكور إلى هذا الذي أورده المصنف هنا ولا يلزم من مخالفته لإمامه في مسألة من المسائل أن يكون خرج عن مذهبه بالكلية هذا لا يقول به أحد ألا ترى إلى الإمام أبي جعفر الطحاوي قد يختاره ولا يخالف فيه الإمام وأصحابه ويؤيده بالآثار ويذهب إليه أحيانا ولا يلزم منه أنه خرج من المذهب ولا يقول به أحد، كما هو شأن مجتهدي المذاهب فتأمل ذلك .




الخدمات العلمية