الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولذلك أيضا وجه وهو أن يكتحل في كل واحدة ثلاثا على قياس الوضوء ، وقد نقل ذلك في الصحيح ، وهو الأولى .

ولو ذهبت أستقصي دقائق ما راعاه صلى الله عليه وسلم في حركاته لطال الأمر فقس بما سمعته ما لم تسمعه .

واعلم أن العالم لا يكون وارثا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا اطلع على جميع معاني الشريعة حتى لا يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا درجة واحدة وهي درجة النبوة وهي الدرجة الفارقة بين الوارث والموروث إذ الموروث هو الذي حصل المال له واشتغل بتحصيله واقتدر عليه والوارث هو الذي لم يحصل ولم يقدر عليه ، ولكن انتقل إليه وتلقاه منه بعد حصوله له فأمثال هذه المعاني مع سهولة أمرها بالإضافة إلى الأغوار والأسرار لا يستقل بدركها ابتداء إلا الأنبياء ولا يستقل باستنباطها تلقيا بعد تنبيه الأنبياء عليها إلا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء عليهم السلام .

التالي السابق


وقد أشار المصنف لما يعارضها فقال : (ولذلك) ، أي : للإيتار في كل عين (أيضا وجه) لا يضاد الحكمة (وهو أن يكتحل في كل واحدة ثلاثا على قياس الوضوء ، وقد نقل ذلك في الصحيح ، وهو الأولى) قال العراقي : هو عند الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس قال الترمذي : حديث حسن اهـ .

قلت : ولفظه عندهما كان له مكحلة يكتحل بها كل ليلة ثلاثا في هذه وثلاثا في هذه هكذا هو في اللباس عند الترمذي ، وفي الشمائل نحوه ، وقال في العلل : إنه سأل البخاري عنه فقال : هو غير محفوظ اهـ. وقال الصدر المناوي : فيه عباد بن منصور ضعفه الذهبي اهـ ، ولكن نقل المناوي في شرح الجامع قال البيهقي : هذا أصح ما في الاكتحال ، وفي أحاديث أخر أن الإيتار بالنسبة إلى العينين ولعل هذا ملحظ المصنف بقوله ، وقد نقل ذلك في الصحيح لا كما يتبادر عند الإطلاق أنه من حديث الصحيحين قال ابن حجر في شرح الشمائل وآثر الثلاثة رعية للإيتار ، ومن ثم روى أبو داود من اكتحل فليوتر ولأنه متوسط بين الإقلال والإكثار وخير الأمور أوسطها (ولو ذهبت أستقصي) ، أي : أطلب نهاية (دقائق ما راعاه صلى الله عليه وسلم في حركاته) وسكناته وأموره كلها (لطال الأمر) عن البيان (فقس) أنت (بما سمعته) ونقل إليك (ما لم تسمعه) ولم يبلغ إليك وتيقن بأن أموره صلى الله عليه وسلم كلها بمناسبات روحانية وترتيبات إلهية علمها من علمها وجهلها من جهلها (واعلم أن العالم) الكامل في العلم (لا يكون وارثا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا اطلع على جميع معاني الشريعة) وأحاط بأسرارها ومعرفة محاسنها الدقيقة (حتى لا يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا درجة واحدة) التي لا يصل إليها (وهي درجة النبوة) ؛ لأنها موهوبة غير مكتسبة (وهي الدرجة الفارقة بين الوارث والموروث) عنه وظاهر سياقه يدل أن من اتصف بما ذكر فهو من الصديقين عند الله تعالى وذلك لأنه ليس تحت درجة النبوة إلا الصديقية ، وقد نالها (إذ الموروث) منه (هو الذي حصل المال له) بجهده (واشتغل بتحصيله) بأي وجه كان (واقتدر عليه) بحيث صار ملكا له (والوارث هو الذي لم يحصل) ذلك ولم يجتهد في تحصيله (ولم يقدر عليه ، ولكن انتقل إليه) بالفريضة الشرعية (وتلقاه منه بعد حصوله له) وتحقيق هذا المقام أن الموروث عنه يخدم الوارث بما تعب في جميع ما أورثه غير أن الإرث المعنوي الذي هو العلم لم ينقص شيئا من مورثه بوراثة الوارث بخلاف الدينار والدرهم ، فإنهما نقل العين بالوراثة من المورث إلى الوارث والأنبياء ما ورثوا إلا العلم ، وهو ما ورثهم الحق والعلماء ورثة الأنبياء فالنبي وارث من وجه موروث من وجه ، وكذلك علماء الأمة فمنهم من ورث علم الأحكام والشرع من ظاهر النبوة ، ومنهم من ورث علم الأسرار والكشف من باطن النبوة ولهما المرتبة الثانية من الوراثة وما يحصل للورثة من حضرة النبوة لا يقبل الشبهة كما يقبلها العلم النظري فهو في غاية البيان وأي عامل عمل بأمر مشروع وحصل من ذلك العلم علم بالله فهو من العلم الموروث ، وقد لوح المصنف إلى ذلك حيث قال : (فأمثال هذه المعاني مع سهولة أمرها بالإضافة إلى الأغوار والأسرار) الخفية (لا يستقل بدركها ابتداء إلا الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام فهم الوارثون عن الله تعالى بما لهم من محض عنايته وفضله (ولا يستقل باستنباطها) ، أي : إبراز دقائق تلك المعاني (تلقيا) من صدور النبوة واقتباسا من مشكاة أنوارها وذلك (بعد تنبيه الأنبياء عليها) تلويحا وتصريحا (إلا العلماء) الكمل (الذين هم ورثة الأنبياء عليهم السلام) ، ثم لا يخلو ذلك الأمر المنبه عليه سواء كان شرعا لنبي مخصوص أو كان شرعا لمن قبله من الأنبياء قرره نبي هذا العامل فهو وارث من كان [ ص: 417 ] العامل بشرعه خاصة ووارث نبيه بما قرره له فيحشر في صفوف الأنبياء عليهم السلام ، والله أعلم .




الخدمات العلمية