الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم الإعسار بمؤن الزوجة إذا أعسر الزوج بها

جزء التالي صفحة
السابق

( ولا فسخ ) بإعسار مهر ، أو نحو نفقة [ ص: 341 ] ( حتى ) ترفع للقاضي ، أو المحكم و ( يثبت ) بإقراره ، أو ببينة ( عند قاض ) ، أو محكم ( إعساره فيفسخه ) بنفسه ، أو نائبه ( أو يأذن لها فيه ) ؛ لأنه مجتهد فيه كالعنة فلا ينفذ منها قبل ذلك ظاهرا ولا باطنا ، ولا تحسب عدتها إلا من الفسخ فإن فقد قاض ومحكم بمحلها ، أو عجزت عن الرفع إليه كأن قال : لا أفسخ حتى تعطيني مالا كما هو ظاهر استقلت بالفسخ للضرورة ، وينفذ ظاهرا وكذا باطنا كما هو ظاهر خلافا لمن قيد بالأول ؛ لأن الفسخ مبني على أصل صحيح ، وهو مستلزم للنفوذ باطنا .

ثم رأيت غير واحد جزموا بذلك ( ثم ) بعد تحقق الإعسار ( في قول ينجز ) بالبناء للفاعل ، أو المفعول ( الفسخ ) لتحقق سببه ( والأظهر إمهاله ثلاثة أيام ) ، وإن لم يستمهل ؛ لأنها مدة قريبة يتوقع فيها القدرة بقرض أو غيره ( ولها الفسخ صبيحة الرابع ) بنفقته بلا مهلة لتحقق الإعسار ( إلا أن يسلم نفقته ) أي : الرابع فلا تفسخ بما مضى ؛ لأنه صار دينا ومن ثم لو اتفقا على جعلها عما مضى لم تفسخ كما رجحه ابن الرفعة ؛ لأن القدرة على نفقة الرابع ، وإن جعله عن غيره مبطلة للمهلة ، ولو أعسر بعد أن سلم نفقة الرابع [ ص: 342 ] بنفقة الخامس بنت على المدة ، ولم تستأنفها .

وظاهر قولهم : بنفقة الخامس أنه لو أعسر بنفقة السادس استأنفتها وهو محتمل ، ويحتمل أنه إذا تخللت ثلاثة وجب الاستئناف ، أو أقل فلا ( ولو مضى يومان بلا نفقة وأنفق الثالث وعجز الرابع بنت ) على اليومين لتضررها بالاستئناف فتصبر يوما آخر ، ثم تفسخ فيما يليه ( وقيل تستأنف ) الثلاثة لزوال العجز الأول ، ورده الإمام بأنه قد يتخذ ذلك عادة فيؤدي إلى عظيم ضررها ( ولها ) ولو غنية ( الخروج زمن المهلة ) نهارا ( لتحصيل النفقة ) بنحو كسب ، وإن أمكنها في بيته أو سؤال ، وليس له منعها ؛ لأن حبسه لها إنما هو في مقابلة إنفاقه عليها نعم يتجه أن محله إن لم يكن في خروجها ريبة ثبتت هي ، أو قرائنها وإلا منعها فإن اضطرت مكنها أو خرج معها ( وعليها الرجوع ) لبيته ( ليلا ) ؛ لأنه وقت الإيواء دون العمل ولها منفعة من التمتع بها كما قاله البغوي ورجحه في الروضة .

وقال الروياني : ليس لها المنع وحمل الأذرعي ، وغيره الأول على النهار ، والثاني على الليل وبه صرح في الحاوي وتبعه ابن الرفعة وإذا قلنا لها المنع ولو ليلا سقطت عن ذمته نفقة زمن المنع ، وقياسه أنه لا نفقة لها زمن خروجها للكسب .

( فرع ) حضر المفسوخ نكاحه وادعى أن له بالبلد مالا وخفي على بينة الإعسار لم يكفه حتى يقيم بينة بذلك ، وبأنها تعلمه وتقدر عليه فحينئذ يبطل الفسخ قاله الغزالي ، وفي الاحتياج إلى قيامه البينة بعلمها وقدرتها نظر ظاهر ؛ لأنه بان ببينة الوجود أنه موسر وهو لا يفسخ عليه ، وإن تعذر تحصيل النفقة منه كما مر ، وأخذ بعضهم من كلام الشيخين أنه لا عبرة بعقار أو عرض لا يتيسر بيعه

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : حتى ترفع للقاضي ) لا يخفى أن من لازم ذلك الدعوى ، وذلك شامل للإعسار في أيام التمكين ، ولا ينافي ذلك ما تقدم أنها لا تخاصم بنفقة اليوم ، وإن وجبت بالفجر لجواز تخصيص ذلك بغير دعوى الإعسار ، وأما تخصيص هذا بالإعسار في غير أول أيام التمكين فبعيد ، ثم بحثت بما ذكرته مع م ر فوافق ( قوله : فلا ينفذ منها ) لا يخفى مع هذا الفورية في قوله السابق : وخيارها عقب الرفع للقاضي فوري فما معنى اعتبار الفورية مع أنها لا تستقل به ؟ ( قوله : استقلت بالفسخ إلخ ) بشرط الإمهال م ر ( قوله : وينفذ إلخ ) كذا م ر ش ( قوله : ثم رأيت غير واحد ) ومنهم شرح الروض .

( قوله : ومن ثم لو اتفقا على جعلها عما مضى إلخ ) عبارة الروض : وإن تراضيا ففيه تردد قال في شرحه : أي احتمالان : أحدهما لها الفسخ عند تمام الثلاث بالتلفيق ، وثانيهما لا وتجعل القدرة عليها مبطلة للمهلة قال الأذرعي : والمتبادر ترجيح الأول قال : ورجح ابن الرفعة الثاني بناء على أنها لا تفسخ بنفقة المدة الماضية محله في الماضية قبل أيام المهلة لا في أيامها . ا هـ . فعلم أن بطلان المهلة بالقدرة على نفقة الرابع مع جعله من غيره ليس أمرا ثابتا قطعا فليتأمل . وقوله في الاحتمال الأول : عند تمام الثلاث بالتلفيق هل ذكر التلفيق بناء على أن النفقة واقعة عن يوم القدرة ، ولا اعتبار بجعلهما لها عما مضى إذ لو وقعت عما مضى كما جعلاه فلا تلفيق ؛ لأن يوم القدرة يصح إلى ما مضى وهو متوال معه ، أو ليس بناء على ذلك ؛ لأنهما قد يجعلانها عن يوم من أثناء المدة الماضية وحينئذ يتأتى التلفيق ؛ لأن ذلك اليوم يتخلل الأيام الخالية عن الإنفاق فإن قلت : اشتراط تمام الثلاث بقوله : عند تمام الثلاث يقتضي عدم تمامها بعد مع أنها تامة على التقديرين سواء وقعت البقية عن الرابع ، أو عما قبله .

قلت الروض لم يفرض القدرة على النفقة في خصوص الرابع بل كلامه شامل للقدرة عليها في الثالثة فإنه قال : فلو تخللها قدرة نفقة الثلاث ، وليس لها أن تأخذ نفقة يوم أي : قدر فيه عن يوم قبله ، وإن تراضيا ففيه تردد . ا هـ . لكن كان القياس على هذا أن يقال : ولو بالتلفيق ( قوله : مبطلة للمهلة ) هل يرد هذا قوله الآتي : ورده [ ص: 342 ] الإمام إلخ فإنه صريح في أن القدرة لا تبطل المهلة السابقة بل قد يقال : عدم الإبطال هنا بالأولى ؛ لأن القدرة هنا بعد المدة ، وفيما يأتي عن الإمام قبل تمامها ( قوله : بنفقة الخامس ) قال في شرح الروض : أو السادس . ا هـ . وهو مخالف لقوله : وظاهر قولهم إلخ ( قوله : بنت ) فمحل إبطال المهلة بالاتفاق الذي دل عليه قوله : ؛ لأن القدرة إلخ ما لم يعسر بنفقة ما بعده والظاهر أن معنى البناء أنها تفسخ في الخامس ؛ لأنه رابع الأيام الخالية عن الإنفاق ، والفسخ محله رابعها ، ولو استأنفت لاحتاجت إلى مضي ثلاثة بعده بلا إنفاق ثم تفسخ في ثالثها الذي هو رابع الجملة فليتأمل .

( قوله : وظاهر قولهم إلخ ) كذا م ر ش ( قوله : وإلا منعها ) ، أو خرج معها م ر ش ( قوله : وحمل الأذرعي وغيره إلخ ) كذا م ر ش ( قوله : على النهار ) أي : وقت التحصيل م ر ش ( قوله : وفي الاحتياج إلخ ) تركه م ر ( قوله : كما مر ) قد يحمل المال على من له مال مقدور عليه وعلى هذا يكون عدم المال ، أو العجز عنه بمنزلة غيبته مسافة القصر .



حاشية الشرواني

( قوله : أو المحكم ) أي : بشرطه نهاية أي : بأن يكون مجتهدا ولو مع وجود قاض ، أو مقلدا وليس في البلد قاضي ضرورة ع ش ( قول المتن فيفسخه ) بالرفع بخطه ويجوز فيه وفي يأذن النصب عطفا على يثبت ا هـ .

. مغني أقول في النصب حزازة إذ يصير المعنى ولا فسخ حتى يفسخه إلخ فالرفع متعين ( قوله : قبل ذلك ) أي : قبل إذن القاضي ولا حاجة كما قال الإمام إلى إيقاعه في مجلس الحكم لأن الذي يتعلق به إثبات حق الفسخ ا هـ .

. مغني ( قوله : مالا ) ظاهره وإن قل وقياس ما مر في النكاح من أن شرط جواز العدول عن القاضي للمحكم غير المجتهد حيث طلب القاضي مالا أن يكون له ، وقع جريان مثله هنا ا هـ .

. ع ش ( قوله : استقلت ) أي : بشرط الإمهال م ر ا هـ .

سم ( قوله للضرورة ) أما عند القدرة على ذلك فلا ينفذ ظاهرا وكذا باطنا كما رجحه ابن المقري وصرح به الإسنوي ا هـ .

. مغني ( قوله : غير واحد إلخ ) ومنهم الأسنى والمغني ( قوله : جزموا بذلك ) معتمد ا هـ .

ع ش ( قوله : وإن لم يستمهل ) إلى قوله : : ؛ لأنه صار في المغني ( قوله : بنفقته ) أي بعجزه عنها ( قوله : بلا مهلة ) أي : إلى بياض النهار ا هـ .

. مغني ( قوله : ومن ثم إلخ ) لم يظهر لي وجه التفريع ( قوله : ومن ثم لو اتفقا إلخ ) عبارة المغني وليس لها أن تأخذ نفقة يوم قدر فيه عن نفقة يوم قبله عجز فيه عن نفقته لتفسخ عند تمام المدة لأن العبرة في الأداء بقصد المؤدي فإن تراضيا على ذلك ففيه احتمالان أحدهما لها الفسخ عند تمام الثلاث بالتلفيق وثانيهما لا ، وتجعل القدرة عليها مبطلة للمهلة قال الأذرعي ، ، والمتبادر ترجيح الأول ورجح ابن الرفعة الثاني بناء على أنه لا فسخ بنفقة المدة الماضية وأجيب عنه بأن عدم فسخها بنفقة المدة الماضية قبل أيام المهلة لا فيها ا هـ .

. وفي سم بعد ذكر مثلها عن الأسنى ما نصه فعلم أن بطلان المهلة بالقدرة على نفقة الرابع مع جعله عن غيره ليس أمرا ثابتا قطعا فقول الشارح : وإن جعل عن غيره فيه ما لا يخفى فليتأمل ا هـ .

. ( قوله : لم تفسخ إلخ ) خلافا للأسنى والمغني كما مر آنفا والنهاية عبارته فاحتمالان أرجحهما نعم عند تمام الثلاث بالتلفيق ا هـ .

. ( قوله : وإن جعله ) أي : المقدور عليه في الرابع [ ص: 342 ] قوله : بنفقة الخامس ) قال في شرح الروض : والسادس ا هـ .

. وهو مخالف لقوله : : وظاهر قولهم إلخ ا هـ .

. سم أي : : وموافق للاحتمال الثاني الذي اعتمده النهاية كما يأتي ( قوله : بنت على المدة ولم تستأنفها ) أي : فلها الفسخ صبيحة الخامس مغني وسم و ع ش ( قوله : بنفقة السادس ) أي : مع الخامس ( قوله : : وجب الاستئناف إلخ ) معتمد ا هـ .

. ع ش ( قوله : أو أقل فلا ) والأصح أن لها الفسخ حينئذ نهاية أي : حين إذ تخلل أقل رشيدي ، والضابط أنه متى أنفق ثلاثة متوالية وعجز استأنفت وإن أنفق دون الثلاث بنت على ما قبله برماوي ( قوله : على اليومين ) إلى قوله : نعم في المغني وإلى الفصل في النهاية إلا قوله : وقياسه إلى الفرع وقوله : أخذ بعضهم إلى ، لا عبرة وقوله : قال أبو زيد : إلى الفصل ( قوله : بنحو كسب إلخ ) عبارة المغني بكسب أو تجارة ، أو سؤال ( قوله : : أو سؤال ) عطف على نحو كسب ( قوله : منعها ) أي : من الخروج ا هـ . ( قوله : وإلا منعها ) أي : وإن أرادته صحبت معها من يدفع الريبة عنها وعليها أجرته إن لم يخرج إلا بها ، وقوله : أو خرج معها أي : ولا أجرة له عليها ا هـ .

. ع ش ( قوله : : وحمل الأذرعي وغيره إلخ ) معتمد ا هـ .

. ع ش ( قوله : على النهار ) أي : وقت التحصيل نهاية ومغني ( قوله : وبه صرح إلخ ) أي : بالتفصيل المذكور ( قوله : وإذا قلنا لها المنع إلخ ) ، والأوجه عدم سقوط نفقتها مع منعها له من الاستمتاع زمن التحصيل فإن نفقة ذلك في غير مدة التحصيل سقطت زمن المنع نهاية ومغني أي : فتسقط نفقة اليوم ، والليلة بمنعها له من التمتع في غير وقت العمل وإن قل زمن المنع كلحظة ع ش ( قوله : فرع ) إلى قوله : وتردد شارح في المغني إلا قوله : وفي الاحتياج إلى ، لا عبرة بعقار ( قوله : وبأنها إلخ ) أي : الزوجة ا هـ .

. ع ش ( قوله : يبطل الفسخ ) أي تبين بطلانه ا هـ .

. مغني ( قوله : قاله الغزالي ) ونقل السنباطي في حاشيته على المحلي كلام الغزالي وأقره ا هـ .

. سيد عمر وكذا أقره المغني كما أشرنا إليه ( قوله : كما مر ) عبارة النهاية أخذا مما مر في قوله : والأصح أنه لا فسخ بمنع موسر حضر ، أو غاب ا هـ .

. ( قوله : : كما مر ) وقد يحمل المار على من له مال مقدور عليه وعلى هذا يكون عدم علم المال ، أو العجز عنه بمنزلة غيبته مسافة القصر ا هـ .

. سم ( قوله : وأخذ بعضهم إلخ ) مقتضاه أنه ليس مصرحا به في كلامهما وليس كذلك ففي أصل الروضة بعد كلام ما نصه وعلى قياس هذه الصورة لو كان له عقار ونحوه لا يرغب في شرائه ينبغي أن يكون لها الخيار انتهى وبه جزم في متن الروض ا هـ سيد عمر عبارة النهاية ولا اعتبار بعرض ، أو عقار لا يتيسر بيعه كما يؤخذ من كلامهما ا هـ .

. ( قوله : لا يتيسر بيعه ) لعل المراد لا يتيسر بيعه بعد مدة قريبة فيكون كالمال الغائب فوق مسافة القصر ا هـ .

. ع ش



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث