الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خصال الفطرة

السادس والسابع زيادة السرة وقلفة الحشفة أما السرة فتقطع في أول الولادة وأما التطهير بالختان فعادة اليهود في اليوم السابع من الولادة ومخالفتهم بالتأخير إلى أن يثغر الولد أحب وأبعد عن الخطر قال صلى الله عليه وسلم : الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء .

التالي السابق


(السادس والسابع زيادة السرة وقلفة الحشفة) اعلم أن زيادة السرة ، تسمى بالسر وهو جسم كالمصران متصل بسرته منه ، وأما القلفة ففيها لغات المشهور منها على وزان قصبة والجمع قلف وقلفات كقصب وقصبات والثانية القلفة كغرفة والجمع قلف كغرف وهي الجلدة التي تقطع في الختان ، ومن عظمت جلدته هذه يقال له : الأقلف وهي قلفاء وقلفها القالف قطعها والحشفة بالتحريك رأس الذكر (أما السرة فتقطع في أول الولادة) في سياق المصنف هنا تجوز ، فإن الذي يقطع هو الجلد المتصل كالمصران بالسرة وليس هو نفس السرة ، وقوله : في أول الولادة ، أي : إذا ولد المولود يجب أن يبدأ أول شيء قطع سره فوق أربع أصابع ، وإنما وجب قطع هذا الجسم ؛ لأنه لو بقي على طوله لتعفن وتضرر الصبي برائحته وربما وصلت عفونته إلى السرة ، وإنما جعل القطع فوق أربع أصابع ؛ لأنه لو كان أقل من هذا لتألم الجنين به ألما شديدا ويربط بصوفة نقية تفتل فتلا لطيفا وتوضع على موضع الربط خرقة مغموسة في الزيت ومما أمر به في قطع السر أن يؤخذ العروق الصفر ودم الأخوين والأنزروت والكمون والأشنة والمر أجزاء سواء يسحق ويذر على سرته ، ثم تشد (وأما التطهير بالختان) ، أي : قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل وقطع بعض الجلدة التي في أعلى فرج المرأة ويسمى ختان الرجل إعذارا بالعين المهملة والذال المعجمة والراء وختان المرأة خفاضا بالخاء المعجمة والضاد المعجمة أيضا فقد اختلف في الوقت الذي يشرع فيه (فعادة اليهود اليوم السابع من الولادة ومخالفتهم بالتأخير إلى أن يثغر) ، أي : يقوى (الولد أحب وأبعد من الخطر) هذا القول أشار به إلى وقته ، وهو البلوغ أو بعده على الصحيح من مذهب المصنف لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه سئل مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنا يومئذ مختون ، وكانوا لا يختنون الرجال حتى يدرك ، وأما وقت الاستحباب فقال الماوردي : هو قبل البلوغ والاختيار في اليوم السابع من بعد الولادة وقيل : من يوم الولادة ، فإن أخر ففي الأربعين يوما ، فإن أخر ففي السنة السابعة ، فإن بلغ ، وكان نضوا نحيفا يعلم من حاله أنه إن ختن تلف سقط الوجوب ويستحب أن لا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر ، وذكر القاضي الحسين أنه لا يجوز أن يختن الصبي حتى يصير ابن عشر سنين ؛ لأنه حينئذ يضرب على ترك الصلاة وألم الختان فوق ألم الضرب فيكون أولى بالتأخير ، وزيفه النووي في شرح المهذب ، ولم يذكر المصنف حكم الختان هل هو واجب أو سنة ، وقد اختلف العلماء فيه فذهب أكثر العلماء إلى أنه سنة وليس بواجب ، وهو قول مالك وأبي حنيفة في رواية ، وفي أخرى عنه واجب ، وفي أخرى عنه يأثم بتركه وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي وذهب الشافعي إلى وجوبه مطلقا ، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية ، وذهب أحمد وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال سنة في حق النساء واحتج من قال : إنه سنة بما (قال صلى الله عليه وسلم : الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء ) هكذا بالواو في سائر نسخ الكتاب ومثله في الجامع ، وفي نسخة العراقي وغيرها بحذفها قال : رواه أحمد والبيهقي من رواية أبي المليح بن أسامة عن أبيه بإسناد ضعيف اهـ .

قلت : رواه الطبراني والبيهقي أيضا من حديث شداد بن أوس وأبي أيوب وابن عباس ، وفي سند الإمام أحمد الحجاج بن أرطاة عن والد أبي المليح والحجاج ضعيف لا يحتج به ، وقال ابن عبد البر : إنه يدور على الحجاج بن أرطاة وليس ممن يحتج به ، قال العراقي : وقد رواه الطبراني في مسند الشاميين من غير طريق الحجاج من رواية سعيد بن بشير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنة هنا خلاف الواجب ، بل المراد الطريقة واحتج من أوجبه بقوله تعالى : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رفعه : اختتن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم ، وقد روى أبو يعلى من طريق علي بن رباح مصغرا قال : أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه فأوحى الله إليه عجلت قبل أن نأمرك بآلته فقال : يا رب كرهت أن [ ص: 418 ] أؤخر أمرك ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة : الفطرة خمس فذكر الختان وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الموطأ حيث قال : عندي أن الخصال الخمس المذكورة كلها واجبة وتعقبه أبو شامة على ما سيأتي في آخر هذا الكتاب ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه قال : دل الخبر على أن الفطرة بمعنى الدين والأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل على خلافه ، وقد ورد الأمر باتباع إبراهيم عليه السلام وعلمت أن هذه الخصال أمر بها إبراهيم عليه السلام وكل شيء أمر الله تعالى باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به وتعقب بأن وجوب الاتباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه ، بل يتم الاتباع بالامتثال ، فإن كان واجبا على المتبوع كان واجبا على التابع أو ندبا فندب ويتوقف ثبوت هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على إبراهيم عليه السلام ومما احتج به القائلون بالوجوب ما رواه أبو داود من حديث عثيم بن كثير بن كليب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أسلم : ألق عنك شعر الكفر واختتن فاستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة فلولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون وتعقب بأن سند الحديث ضعيف ، وقد قال ابن المنذر : لا يثبت فيه شيء ، وقال ابن القطان : عثيم وأبوه مجهولان ، وقال الذهبي : فيه انقطاع ، وفي الفتح : أنه ضعيف ، ونقض ابن عبد البر ما قاله ابن سريج بجواز نظر الطبيب وليس الطب واجبا إجماعا ، واستدل أبو حامد والماوردي بأنه قطع لا يستخلف من الجسد تعبدا فلا يكون إلا واجبا وقاساه على وجوب القطع في السرقة واحترزا بعدم الاستخلاف عن الشعر والظفر وبالتعبد عن القطع للأكلة ، فإنه لا يجب وتعقب بأن قطع اليد إنما أبيح في مقابلة جرم عظيم فلم يتم القياس واحتج القفال لوجوبه بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة ويمنع صحة الصلاة فتجب إزالتها وشبهه النجاسة بباطن الفم واحتج الماوردي فقال في الختان إدخال ألم عظيم على النفس ، وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال لمصلحة أو عقوبة أو وجوب ، وقد انتفى الاثنان فثبت الثالث ، وتعقبه أبو شامة بأن في الختان عدة مصالح كمزيد الطهارة والنظافة ، فإن القلفة من المستقذرات عند العرب وكثر ذمهم للأقلف في أشعارهم .



(تنبيه)

قال الفخر الرازي : الحكمة في الختان أن الحشفة قوية الجس فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة عند المباشرة ، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة ، وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعا لها فالعدل الختان .



(مهمة) :

اختلف في ختان نبينا صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقوال :

أحدهما : أنه ولد مختونا مقطوع السرة أخرجه ابن عساكر من حديث أبي هريرة والطبراني في الأوسط وأبو نعيم والخطيب من طرق عن أنس نحوه وصححه الضياء في المختارة ، لكن نقل العراقي عن الكمال بن العديم أنه قال : لا يثبت في هذا شيء وأقره عليه ، وبه صرح ابن القيم ورد على من جعله من خصائصه صلى الله عليه وسلم فقد نقل ابن دريد في الوشاح عن ابن الكلبي أن غيره من الأنبياء كذلك ، وذكر الحافظ ابن حجر أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته أي اتسعت فيصير كالمختون .

الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم ختنه جده عبد المطلب يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدا أورده ابن عبد البر في التمهيد من حديث ابن عباس .

الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم ختن عند حليمة السعدية ذكره ابن القيم والدمياطي ومغلطاي وقالا : إن جبريل عليه السلام ختنه حين طهر قلبه ، وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة ، لكن قال الذهبي : إن هذا منكر ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث