الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المبحث الثالث عن الحكم الشرعي

وأما المعتزلة فشبهتهم قوله تعالى : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى وقوله تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم قال ثم ننجي الذين اتقوا وقوله تعالى : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم وكل آية ذكر الله عز وجل العمل الصالح فيها مقرونا بالإيمان وقوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وهذه العمومات أيضا مخصوصة بدليل قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى الشرك .

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وقوله تعالى : إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا وقوله تعالى: إن الله لا يضيع أجر المحسنين فكيف يضيع أجر أصل الإيمان ، وجميع الطاعات بمعصية واحدة وقوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا أي لإيمانه ، وقد ورد على مثل هذا السبب .

التالي السابق


ولما فرغ المصنف من ذكر شبه المرجئة، ومن على رأيهم، والجواب عنها، شرع في ذكر شبه المعتزلة والجواب عنها فقال: (وأما المعتزلة فشبهتهم) التي وقعوا فيها في تأسيس أصلهم الذي عليه بنوا مذاهبهم، وتمسكوا بآي من القرآن، منها (قوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [ ص: 252 ] و) كذا (قوله تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات و) كذا (قوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ) كذا (كل آية ذكر الله عز وجل العمل الصالح مقرونا فيها بالإيمان) ; فإنها متمسكهم في جعلهم الأعمال شرطا في صحة الإيمان، كما أن قوله : ومن يعص الله ، (وقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) متمسكهم في تخليد صاحب الكبيرة في النار .

(وهذه العمومات أيضا مخصوصة بدليل قوله تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى الشرك) قال ملا علي في شرح الفقه الأكبر: ذهب بعض المعتزلة إلى أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه، لا بمعنى يمتنع عقلا، بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على أنه لا يقع، كقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ، وأجيب بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر; لأنه الكامل، وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر، وإن كان الكل ملة واحدة في الحكم، أو إلى أفراده القائمة من قاعدة أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد بالآحاد، كقولنا: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم، كذا في شرح العقائد، فيكون التقدير على التقدير الأول: إن تجتنبوا أنواع الكفر، وفيه أنه يلزم حينئذ أن لا يجوز العقاب على ما عدا الكفر صغيرة كانت أو كبيرة، اللهم إلا أن يقال: المعنى نكفر عنكم سيئاتكم المكتسبة، قبل اجتناب الكفر، فيكون الخطاب للكفرة، وقبل يقدر فيه استثناء المشيئة، أي نكفر عنكم سيئاتكم إن شئنا .

ثم نقل عن شيخنا العلامة عبد الله السعدي، أنه كان يقول في هذا المقام: إن تقدير الاستثناء، يغني عن حمل الكبائر على الكفر اهـ .

قلت: ما قدر الاستثناء إلا لتصحيح حمل الكبائر على الكفر; دفعا للزوم المتقدم، إذ لو حملت الكبائر على عمومها لما صح الاستثناء للزوم انحصار الصغيرة تحت المشيئة، وخروج الكبيرة هو خلاف نص: إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية، وأيضا يلزم كون الصغيرة تحت المشيئة بشرط اجتناب الكبائر، وليس كذلك، بل قد تكفر الصغيرة بمكفر أو بعفو الله تعالى، ولو كان صاحبها يرتكب كبيرة .

وقال العلامة عصام: إنها في معنى الآية أن المعلق عليه تكفير السيئات هو الاجتناب عن الكفر، فيدخل في التكفير الكبائر أيضا، ولا خلاف أنها لا تكفر بمجرد الاجتناب عن الكفر; فالمغفرة والتكفير لا بد له من تعليق آخر، وهو المشيئة عندنا مطلقا، والتوبة في الكبائر عند المعتزلة، فالآية ليست على ظاهرها بالاتفاق، فلا تكون تامة في الدلالة على مطلوبهم، ولا يخفى أن حمل كبائر ما تنهون على الكفر من الوجهين المذكورين في غاية البعد; إذ البلاغة تقتضي: إن تجتنبوا الكفر، لو جازته وموافقته لعرف البيان، فالحق مدلول الآية تكفير الصغائر لمجرد الاجتناب عن الكبائر، وتعليق المغفرة بالمشيئة في آية أخرى مخصوص بما عدا ما اجتنب معه من الكبائر اهـ .

ولا يخفى أن هذا مذهب ثالث، مخالف للمذهبين المسمى بالملفق، فكيف يحكم بكونه الحق على الوجه المطلق؟ ثم الأظهر أن الخطاب في الآية للمؤمنين، وأن الكبائر على معناها المتعارف ما عدا كفر الكافرين، كما يشير إليه قوله: كبائر ما تنهون عنه والمعنى إن تجتنبوا كبائر المنهيات نكفر عنكم سيئاتكم بالطاعة، كما يدل عليه قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات وسائر الأحاديث الواردة في المكفرات والله أعلم .

(وكذلك قوله عليه) الصلاة (والسلام: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان) تقدم الكلام عليه مرارا، فهذا يدل على أن المؤمن الموحد لا يخلد في النار، (وقوله تعالى: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) ، فإذا كان الإيمان عملا بالوجه الذي قررناه، (فكيف يضيع) سبحانه (أجر أهل الإيمان، وجميع الطاعات بمعصية واحدة) ، كما يزعمون؟ .

(و) أما (قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) فالمراد منه، (أي) يقتل مؤمنا (لإيمانه، وقد ورد على) خصوص (مثل هذا السبب) فلم يبق لهم تعلق بظواهر الآي، وكشف لك وجه التأويل فيها وحملها على مقتضى ما ذهب إليه أهل السنة .



(تنبيه)

في بيان حكم أهل الأهواء في الإجماع والاختلاف، وبيان أنه لا طاعة لهم ولا تصح [ ص: 253 ] منهم عبادة. قال الشيخ أبو منصور عبد القاهر البغدادي في كتاب الأسماء والصفات: أجمع أصحابنا على أن المعتزلة، والنجارية، والجهمية، والغلاة من الروافض، والخوارج، والمجمعة، لا اعتبار بخلافهم في مسائل الفقه، وإن اعتبر خلافهم في مسائل الكلام .

فذا قول الشافعي- رضي الله عنه- في أهل الأهواء، وكذلك رواه أشهب عن مالك، والعباس بن الوليد عن الأوزاعي، ومحمد بن جرير الطبري بإسناد عن سفيان، وحكاه ابن جرير أيضا بإسناده عن أبي سليمان الجوزجاني، عن محمد بن الحسن، وجماعة من أصحاب أبي حنيفة، وحكاه أبو ثور في أصوله عن جميع الأئمة من التابعين، وهم الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، ومسروق، وعلقمة، والأسود، ومحمد بن سيرين، وشريح القاضي، والزهري، وأقرانهم .

واختلف الأئمة في قبول شهادة أهل الأهواء، فقال مالك بإبطال شهادات المعتزلة، وسائر أهل الأهواء، وقال الشافعي وأبو حنيفة بقبول شهادات أهل الأهواء إلا النظامية، فإنهم يرون الشهادة بالزور، وأشار في كتاب "القياس" إلى رجوعه عن قبول شهادات المعتزلة، وهذا هو الأصح على قياس مذهبه .

وأما الكلام على طاعات المعتزلة، وسائر أهل الأهواء، فإن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن أهل الأهواء المؤدية إلى الكفر لا تصح منهم طاعة لله مما يفعلونه من صلاة، وصوم، وزكاة، وحج; لأن الله تعالى أمر عباده بإيقاع هذه العبادة على شرط باعتقاد صحيح بالعدل، والتوحيد، وبشرط أن يرى بها التقرب إلى الله تعالى، مع اعتقاد صفة الإله على ما هو عليه .

ولا يجوز أن يقصد بالطاعة من لا يعرفه، والمعتزلة وسائر أهل البدع غير عارفين بالله تعالى; لاعتقادهم فيه خلاف ما هو عليه في عدله وحكمته، وليس شيء من الطاعة يصح وقوعه طاعة لله عز وجل، من غير قصد منه إلى التقرب به إلا طاعة واحدة، وهي النظر والاستدلال الواقع من المكلف عند توجه التكليف عليه، فإنه قبل نظره واستدلاله لا يكون عارفا بالله تعالى، فلا يصح منه التقرب إلى الله عز وجل; لأنه أمر بها وما بعدها من العبادات، فلا يكون طاعة لله عز وجل، إلا من عرفه سبحانه وقصد بفعله التقرب إليه .

وأهل البدع خارجون عن معرفة الله وطاعته، فخرجوا من أجل ذلك عن الإيمان، وعن غمار أهل الإسلام والحمد لله على العصمة من البدعة. وقال أيضا في الكتاب المذكور: اعلم أن أصحابنا وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة، والغلاة، والخوارج، والنجارية، والجهمية، والمشبهة، فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملتهم في عقود البياعات والإجارات والرهون، وسائر المعاوضات، دون الأنكحة ومواريثهم، والصلاة، وأكل ذبائحهم، فلا يحل شيء من ذلك إلا الموارثة ففيها خلاف بين أصحابنا، فمنهم من قال: مالهم لأقربائهم من المسلمين; لأن قطع الميراث بين المسلم والكافر، إنما هو في الكافر الذي لا يعد في الملة، ولأن خلاف القدري والجهمي والنجاري، والمجسم لأهل السنة والجماعة أعظم من خلاف النصارى لليهود والمجوس .

وقد أجمع الشافعي، وأبو حنيفة على وقوع التوارث مع أهل الذمة مع اختلاف أديانهم، وكذلك التوارث بين المسلمين، والكافرين من أهل الأهواء، دون الكافر الخارج عن الملة بجحده بالله عز وجل، أو رسوله، أو بكتابه، ومنهم من قال: إن حكم أهل الأهواء حكم المرتدين لا يرثون، ولا يورثون، وحكي عن محمد بن الحنفية، وجماعة من التابعين أنهم قالوا بتوريث المسلم من أهل الأهواء ولا عكس، وكذلك قالوا في المسلم الكافر، وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه، ورواه هو بإسناد عن معاذ بن جبل، وروى غيره مثل ذلك عن مسروق، وسعيد بن المسيب، وإنهم قالوا: الإسلام يزيد ولا ينقص، وقال قوم من التابعين: لا يرث من أهل الأهواء، ولا يرث بعضهم من بعض، وكل أهل مذهب يكفر أهل مذهب آخر، فلا توارث بينهما، وكذلك كل صنف من أهل الكفر يكفر صنفا آخر منهم، فهما ملتان لا توارث بينهما، وبه قال الزهري، وربيعة، والنخعي والحسن بن جني، وأحمد بن حنبل، وقال قوم: أموال أهل الأهواء لأهل بدعتهم; فلا يورث، وكذلك قالوا في مال المرتد إذا مات أنه لأهل الدين الذين ارتد إليهم دون المسلمين، وبه قال قتادة وبعض أهل الظاهر .

واختلف أهل [ ص: 254 ] الحق في الطفل إذا ولد بين أبوين من أهل القدر أو التشبيه، أو نحوهما من أهل البدع فمات أحد الأبوين، فمنهم من قال: حكمه في الميراث حكم المسلم منهما في الميراث، وفي سائر الأحكام، وإلى هذا ذهب شريح، والحسن، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأبو حنيفة، وقال مالك: الاعتبار في هذا الباب بموت الأب، دون الأم .

وكذلك حكم الطفل بين الكافرين إذا أسلم أحدهما كان الاعتبار فيه بالأب، وكان الطفل في دينه، وفي سائر أحكامه; لأن النسب معتبر به دون الأم .

وقال آخرون: باعتبار حكم الطفل بإسلام الأم وتوبتها عن البدعة دون الأب، فيكون حكمه تابعا لحكمها، كما يعتبر حكمه بحكمها في الرق والحرية، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث